كردفان: الحرب على الطرق قد تكون أخطر من الحرب على المدن
Mazin
أعاد الهجوم على شاحنات برنامج الأغذية العالمي قرب الدلنج هذا الأسبوع ملفاً ظل يتضخم في السودان منذ أشهر: من يسيطر على الطريق يملك القدرة على تحديد من يحصل على الغذاء والدواء والوقود، حتى من دون السيطرة الكاملة على المدينة نفسها. كان من الممكن النظر إلى حادثة 30 أغسطس باعتبارها خسارة تشغيلية محدودة: شاحنتان و50 طناً من الغذاء. لكن قراءة التفاصيل تكشف صورة أوسع. الشحنة كانت متجهة إلى كادقلي، حيث يقدم WFP مساعدات لنحو 58 ألف شخص يعيشون عند مستويات طارئة من انعدام الأمن الغذائي أو أسوأ. أي أن الطريق بين مناطق التخزين والمدينة ليس مجرد طريق تجاري؛ إنه شريان حياة. المشكلة أن كردفان أصبحت خلال 2026 مسرحاً لما يمكن وصفه بـ«حرب الممرات». الجيش والدعم السريع والحركة الشعبية–شمال والقوات المتحالفة معها جميعها تنظر إلى الطرق باعتبارها عناصر عسكرية: منها تتحرك التعزيزات والذخائر، ومنها تصل المؤن والوقود، ومنها أيضاً تمر المساعدات الإنسانية. وهنا يحدث التداخل الأخطر بين العسكري والإنساني. فحين تستخدم الطرق نفسها للقوافل العسكرية والتجارية والإنسانية، يصبح المجال الإنساني معرضاً بصورة متزايدة للخطر حتى عندما تكون المركبات تحمل علامات الأمم المتحدة. برنامج الأغذية العالمي يقول إنه سجل ثمانية هجمات جوية منذ بداية العام أضرت بمنشآته أو عطلت عملياته. هذا الرقم يرفع القضية من حادثة منفردة إلى نمط يحتاج إلى تفسير وتحقيق. (World Food Programme) في الوقت نفسه، لا توجد حتى الآن آلية فاعلة تمنح القوافل حصانة عملية. القانون الدولي الإنساني يفرض حماية عمليات الإغاثة، لكن التطبيق على الأرض يحتاج إلى إخطار الأطراف وتنسيق مسارات وتحقيقات في الحوادث وضمان ألا تتحول الإخطارات نفسها إلى مصدر خطر. وتزداد الأزمة تعقيداً لأن جنوب كردفان ليست فقط منطقة قتال؛ بل منطقة نزوح متزايد. التحديثات الأممية الأخيرة أشارت إلى نزوح مئات الأشخاص من قرى في محلية العباسية بسبب انعدام الأمن، بينما ترصد منظمات إنسانية ضغطاً كبيراً على المياه والصحة في مناطق مثل أبو جبيهة. وفي أبو جبيهة نفسها، وصفت أطباء بلا حدود أزمة بنيوية في الخدمات وسط وجود عشرات الآلاف من النازحين، واضطرت إلى توفير كميات كبيرة من المياه ودعم مرافق صحية للتعامل مع الضغط. وتشكل المياه جزءاً من المسألة نفسها: إذا تعطل الطريق، لا تتعطل فقط شحنات الطعام بل الوقود اللازم للمضخات والأدوية وقطع الغيار. لهذا أصبحت كردفان اختباراً عملياً لقدرة منظومة الإغاثة على العمل داخل حرب متحركة. في دارفور، توجد خطوط إمداد إنسانية طويلة جرى التفاوض حولها لسنوات. أما في كردفان فالمشهد يتغير بسرعة: طريق يمكن أن يكون مفتوحاً أسبوعاً ثم يصبح منطقة عمليات عسكرية في الأسبوع التالي. كذلك تحمل جغرافيا المنطقة أهمية استراتيجية تتجاوز الإغاثة. الأبيض تمثل عقدة تربط وسط السودان بغربه، بينما الدلنج وكادقلي تتحكمان في جزء كبير من الوصول إلى جنوب كردفان. ومن ثم فإن أي تغير في خطوط السيطرة العسكرية ينعكس فوراً على حركة التجارة والإغاثة. السؤال الآن ليس ما إذا كانت هناك أغذية كافية في مخازن WFP، وإنما هل يمكن نقلها بأمان؟ وهذه نقطة مهمة لأن الاستجابة الإنسانية الدولية عادة ما تقاس بالأموال التي جُمعت والطنnage الذي شُحن وعدد المستفيدين المستهدفين. لكن السودان يوضح أن العنصر الحاسم قد يكون الوصول. حتى لو حصلت خطة الاستجابة على تمويل إضافي، فإن التمويل لا يفتح طريقاً مقطوعاً ولا يحمي شاحنة من ضربة جوية. وهنا يظهر الخطر الأكبر: إذا بدأت الوكالات تقلص القوافل أو تؤجلها بسبب المخاطر، فإن تكلفة الوصول ستزيد، وقد يضطر البرنامج إلى الاعتماد على مسارات أطول وأكثر تكلفة أو عمليات إسقاط جوي أو ترتيبات نقل بديلة. هذه الخيارات جميعها مكلفة وأبطأ. والأثر لا يقتصر على السكان الذين يحصلون على مساعدات مباشرة. فالطرق نفسها تحمل السلع التجارية، وأي تصعيد عسكري يرفع أسعار الغذاء في الأسواق المحلية حتى للأسر التي لا تعتمد على الإغاثة. في هذا المعنى، الحرب على الممرات تنتج مجاعة بطريقتين: تقلل وصول المساعدات وترفع أسعار الغذاء التجاري. لهذا فإن هجوم الدلنج ينبغي ألا يُقرأ كحادثة لوجستية عابرة. إنه إنذار بأن المعركة على كردفان قد تتحول تدريجياً إلى معركة على القدرة على إبقاء السكان داخل المدن أصلاً.