كرامة السودانيين أولا… العودة الطوعية قرار لا يُفرض ولا يُسيس

القاهرة – ماجدة حسن
يمثل مشروع العودة الطوعية للسودانيين من جمهورية مصر العربية، الذي تنفذه لجنة الأمل بالتعاون مع ديوان الزكاة، واحدا من أكبر المبادرات الوطنية التي تستهدف إعادة السودانيين إلى وطنهم بصورة تحفظ لهم كرامتهم، خاصة الأسر المتعففة التي أنهكتها الظروف الاقتصادية ولم تعد قادرة على تحمل تكاليف الإقامة أو قيمة تذاكر السفر.
وبحسب ماذكر حسن خالد أن المشروع ليس مبادرة مؤقتة، بل مشروع مستمر يهدف إلى تمكين كل سوداني يرغب في العودة من الوصول إلى وطنه، حتى آخر مواطن يتقدم بطلب العودة. وهذه الرسالة منحت كثيرًا من الأسر الأمل بأن العودة لن تكون حكرا على فئة دون أخرى.
لكن في المقابل، يظل سؤال مشروع يفرض نفسه إلى أين يعود هؤلاء؟ وثم ماذا بعد العودة؟ اي ان المشروع -يسوق الناس الى مصير مجهول – فالسودان لا يزال يواجه تحديات كبيرة تتمثل في ضعف الخدمات الأساسية، وصعوبة الأوضاع المعيشية، وتداعيات الحرب التي أثرت على مختلف مناحي الحياة. ولذلك يرى البعض أن العودة في هذا التوقيت محفوفة بالتحديات، بينما يرى آخرون أنها تظل الخيار الأقل كلفة مقارنة بالاستمرار في ظروف اللجوء القاسية.
كما أثيرت تفسيرات مختلفة حول دوافع مشروع العودة الطوعية أو العودة إلى الديار فهناك من يربطه بقرارات سياسية، ويذهب إلى أن الحكومة السودانية طلبت من الحكومة المصرية تسهيل عودة اللاجئين، فبينما ترغب مصر في تخفيف الأعباء الناتجة عن استضافة الأعداد الكبيرة من السودانيين، يستفيد السودان من عودة مواطنيه للمساهمة في مرحلة إعادة الإعمار. غير أن هذه القراءة، رغم تداولها بكثافة ، لا توجد أدلة قاطعة تؤكدها.
أما المتابعون القريبون من المشروع فيرون أن الدافع الحقيقي في الغالب هو قرار شخصي تتخذه الأسر السودانية بعد أن ضاقت بها سبل العيش في مصر. فالارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة، وتراجع القوة الشرائية، وتأثر السودانيين بانخفاض قيمة الجنيه السوداني مقابل المصري ، كلها عوامل جعلت البقاء أكثر صعوبة، ودعت كثيرين إلى التفكير في العودة رغم الظروف المعقدة داخل السودان.
ومن بين العوامل التي شجعت علي عودة عدد من الأسر مؤخرا أيضا قرار استئناف الدراسة وعودة الجامعات السودانية للعمل من مقارها بالسودان ، إذ فضلت أسر كثيرة أن يواصل أبناؤها تعليمهم داخل البلاد بدلاً من استمرار حالة الانتظار وعدم الاستقرار.
وتبرز ميزة مهمة للمشروع تتمثل في أنه يوفر عودة تحفظ كرامة الإنسان. فعدد من السودانيين في مصر يواجهون مشكلات تتعلق بالإقامة أو انتهاء الأوراق القانونية، وبعضهم دخل البلاد بطرق غير نظامية. وفي مثل هذه الحالات، تتيح العودة الطوعية فرصة المغادرة بصورة منظمة، حاملين أمتعتهم وما يملكونه لبدء حياة جديدة، بدلاً من التعرض لإجراءات الترحيل القسري أو الوقوع في مخالفات قانونية.
وبالمقابل فإن نجاح هذا المشروع لا يقاس فقط بعدد الرحلات أو أعداد العائدين، وإنما بقدرته على المحافظة على كرامة السودانيين، والالتزام بالشفافية والعدالة في اختيار المستفيدين، واستمرار العمل المؤسسي بعيدا عن المزاجية أو الاجتهادات الفردية. فكلما اتسمت لجان المشروع بالتنظيم والتماسك والوضوح، زادت ثقة الناس فيه، وتحول إلى نموذج وطني يعكس قيم التكافل والتضامن بين السودانيين في واحدة من أصعب المراحل التي تمر بها البلاد.

Exit mobile version