كامل إدريس في لندن: حين تتحول حكومة الأمل إلى حكومة خيبة

الحسين يسن

في الوقت الذي ينتظر فيه السودانيون من حكومتهم الانتقالية حلولًا عاجلة لأزمات المياه والكهرباء والعلاج، جاء لقاء رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس بالسودانيين في لندن ليكشف عن فجوة واسعة بين خطاب السلطة وواقع المواطن المنهك بالحرب.

حضرتُ اللقاء الذي نظمته سفارة السودان في لندن وأنا أحمل قدرًا من التفاؤل بأن أستمع إلى رؤية عملية لإعادة بناء ما دمرته الحرب، خاصة في ما يتعلق بالخدمات الأساسية التي أصبحت تمثل معركة الحياة اليومية للمواطن السوداني. لكن ما طُرح خلال اللقاء أثار لدي كثيرًا من الدهشة والإحباط.

تحدث رئيس الوزراء بإسهاب عن مشاريع كبرى، مثل مشروع المليون وحدة سكنية للشباب المنتج، والمدينة الإدارية الجديدة، وإعادة تأهيل مسلخ الكدرو، إلى جانب مشاريع تنموية أخرى بعيدة المدى. ورغم أهمية التنمية الاستراتيجية في أي دولة، فإن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: هل هذه فعلًا أولويات السودان اليوم؟

السوداني البسيط، الذي خرج من الحرب فاقدًا للأمن والخدمات ومقومات الحياة الأساسية، لا ينتظر مدينة إدارية جديدة، بل ينتظر وصول المياه إلى منزله، وعودة الكهرباء إلى حيه، وفتح مركز صحي يعالج أبناءه، ومدرسة تستقبل أطفاله. هذه هي الأولويات الحقيقية التي يجب أن تتقدم على أي مشاريع استعراضية أو خطط بعيدة عن الواقع المعيشي القاسي.

الأكثر إثارة للقلق أن اللقاء لم يتضمن أي حديث واضح عن خطط عاجلة لإصلاح شبكات المياه في الخرطوم أو الولايات المتضررة، رغم أن أزمة المياه أصبحت من أخطر التحديات الإنسانية في البلاد. كما غابت التفاصيل المتعلقة بإعادة تأهيل قطاع الكهرباء، خاصة بعد الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية وسد مروي خلال الحرب.

ولم يقدم رئيس الوزراء جدولًا زمنيًا واضحًا لإصلاح وتاهيل سد مروي ومحطات توليد الكهرباء مثل بري وبحري الحرارية، كما لم يطرح رؤية عملية للتوسع في بدائل الطاقة، مثل الطاقة الشمسية، رغم أنها أصبحت خيارًا ضروريًا في ظل الانهيار المستمر لشبكات الكهرباء التقليدية.

وكان لافتًا أيضًا التوتر الذي صاحب تعامل رئيس الوزراء ووزير إعلامه مع أحد المواطنين أثناء توجيهه انتقادات تتعلق بأزمة المياه. فبدلًا من احتواء المداخلة بروح ديمقراطية تتسع للنقد، بدا واضحًا ضيق السلطة بأي صوت يطرح أسئلة محرجة حول الأداء الحكومي والفجوة بين الوعود والواقع.

إن الحكومات الانتقالية تُقاس بقدرتها على إدارة الأولويات، لا بحجم الشعارات أو كثرة المشاريع النظرية. وفي بلد خرج لتوه من حرب مدمرة، وما تزال أجزاء واسعة من أراضيه تعيش تحت وطأة الاحتلال، تصبح الأولوية القصوى هي إعادة الحد الأدنى من الحياة الطبيعية للناس، لا الانشغال بمشاريع ضخمة قد تبدو منفصلة عن احتياجات المرحلة.

ولعل الأزمة الحقيقية التي تواجه النخب السياسية السودانية أنها كثيرًا ما تنظر إلى السودان من أعلى، لا من داخل الأحياء والأسواق ومناطق النزوح والمعاناة اليومية. وهذا ما يجعل الخطاب الرسمي يبدو أحيانًا وكأنه صادر من بلد آخر، لا من دولة يعيش مواطنوها واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في تاريخهم الحديث.

لا يحتاج السودانيون اليوم إلى المزيد من الأحلام المؤجلة، بل إلى حكومة تستمع إليهم، وتشعر بمعاناتهم، وتبدأ بإصلاح الأساسيات قبل الحديث عن المدن الجديدة والمشاريع العملاقة.

لندن – 16 مايو 2026

Exit mobile version