رأي

كالعادة …هبوط استثنائي لعروة في الخرطوم

محمد عبد الرحيم جاويش

ضباط ، رجال مخابرات، دعاة، دبلوماسيون، طياريون، خبراء اتصالات اتصالات، مبرمجون، اعلاميون، موظفو تسويق، استراتيجيون، شباب في العشرينات، وشيوخ تجاوزوا السبعين، سحناتهم أنهم من كل بقاع السودان، شرقه وغربه. شماله وجنوبه. كل هؤلاء ضمتهم قاعة فندق السلام صباح الحادي عشر من ابريل 2026، كان تجمعا غريبا، مهما كانت قدراتك التحليلية، فلن تجد رابطا يجمعهم،سوى أنه الفاتح عروة، رجل وهبه الله عقلا فذا، وصفات كريمة، وشجاعة، وإخلاصا لوطنه، وقدرات قيادية، فهو ضابط عمليات من طراز فريد، ورجل مخابرات داهية، ودبلوماسي مقتدر، ومبرمج حاسوب، واداري فذ، وخبير اتصالات وتقنية، وذي عقل استراتيجي متقد، باختصار هو رجل عابر للتخصصات والأجيال والحدود الجغرافية.
عندما وصلت الإنقاذ للسلطة في 1989، كان التحدي العسكري والامني الذي يحيط بالسودان وجوديا، فقد فتح نظام منغستو في اثيوبيا أراضيه لحركة قرنق المتمردة، وكانت حدود السودان مع إثيوبيا حينها هي الأطول ، إذ تمتد من جنوب السودان وحتى كسلا ( قبل تحرير إريتريا)، ولم تجد الإنقاذ افضل من الفاتح عروة رجل المخابرات السابق في محطة أديس أيام نظام نميري والخبير والصديق لقيادات حركات التحرر في اثيوبيا و ارتريا، لم تجد افضل منه ليقود اكبر تغيير استراتيجي في القرن الافريقي يؤمن حدود السودان الأطول و جبهته الشرقية، ولم يأتي مايو عام 1991 إلا وكان الفاتح يقود الطائرة التي تحمل ملس زناوي إلى اديس، وفر منغستو إلى زيمبابوي، وبدأت صفحة جديدة في القرن الافريقي، وإثيوبيا بقيادة اهل النجاشي.
و عندما انطلقت عمليات صيف العبور في جنوب السودان لتحرير المدن من قبضة التمرد، كان الفاتح عروة مستشار رئيس الجمهورية للشئون الأمنية حينها والعقيد ابراهيم شمس الدين، آخر من يلتقون بالمتحركات قبل التحامها، والفاتح اول من يهبط بطائرته بعد انتصارها وتحرير الأرض رفقة صديقه العقيد ابراهيم.
ولعل شركة زين استلهمت من سيرته أن يكون تأبينه على بعد كيلو متر او يزيد قليلا جنوب مدرج مطار الخرطوم، هو اول حدث من نوعه بعد تحرير الخرطوم بعد تمرد الدقلاوين، و كالعادة هو اول من يهبط بعد التحرير مهنئا بالنصر، ومحفزا للانطلاق للامام.
بذل الاخ صالح وفريقه جهدا كبيرا لتوثيق مسيرته، علها تكون نبراسا للأجيال ووفاء لرجل كرس حياته كلها لوطنه، و أنى لهم الإحاطة برجل حياته كثيرة النشاط والتفاصيل، متباينة المجالات والميادين، عاشها جميعها بمهنية واحترافية عالية، وظل ينتقل من محطة لأخرى بدون فواصل زمنية.
ويلحظ المتأمل في مسيرة الفاتح أنه قلما استقر في موقع واحد ليكمل فيها مشروعه، اغلب الظن أن ذلك بسبب نبوغه وقدراته فوق العادية، فإما احتاجته القيادة لموقع آخر رأت أنها ثغرة وهو الاكفأ لها، وإما كاد له الاقران غيرة منه أو خشية على مواقعهم منه. والعجيب أن يتعامل مع التغيير كما لو أن شيئا لم يحدث ، فكلما نقل من موقع لآخر أخذ التحدي بجدية في موقعه الجديد وكأنه اول عمل في حياته.
هكذا دخل جامعة الخرطوم ثم تركها، لينتقل للكلية الحربية، وسرعان ما نقل من الجيش لجهاز الأمن في عهد نميري، ولما سقط نظام نميري في 1985، هاجر خارج السودان، وعاد للسودان عندما استدعاه البشير بعد وصوله السلطة في 1989، ليصبح مستشارا له للشئون الامنية، وبدأ مشروعات استراتيجية للدولة مع انخراطه في عمليات صيف العبور، ثم عين وزير دولة في وزارة الدفاع، وبدأ خططا طموحة لتطوير وزارة الدفاع، من ناحية تقنية، واستقطب عددا من المهندسين ليبدأ مشروع حوسبة شاملة للوزارة وهيئة القيادة، وبدهائه استطاع استيراد أجهزة حاسوب متقدمة في ذلك الحين رغم العقوبات الأمريكية وحظر التقنية من السودان ، وقبل انطلاق مشروعه الطموح، نقل إلى نيويورك مندوبا السودان في الأمم المتحدة، وبعد انتهاء فترته وعودته للوطن كلف برئاسة مجلس الطيران المدني. لم يستقر في عمل واحد إلا في شركة زين للاتصالات…حيث استمر فيها منذ 2008 حتى الرحيل في 2025.
عنده شغف عجيب بالتقنية والأجهزة، ففي التسعينات استجلب أجهزة الملاحة اليدوية navigator GPS ، وبدأ في تدريب ضباط العمليات عليها، وهو أول من صمم برامج الاتصالات بدمج أجهزة الاتصالات اللاسلكي مع ( المودم) والحاسوب مع التشفير الالي لارسال واستقبال الإشارات العسكرية مع وحدات الجيش والملحقيات العسكرية، وذلك تحت بيئة نظام التشغيل DOS، قبل سيادة عصر الويندوز، وكان نظام الاتصالات قبلها يعتمد في ارسال الإشارات على الاتصال الصوتي…وإملاء الرسائل وجداول الشفرات اليدوية.

شخصيته المستقلة، وخوف بعض مراكز القوى في السلطة من نبوغه، وضعف مؤسسية البلد، أضاعت على السودان فرصة كبيرة في الاستغلال الأمثل لقدراته، فلربما لو ترك ليكمل مشروعه في تحديث وزارة الدفاع والجيش،لتغيرت أشياء كثيرة في تاريخ السودان، ولكنها الأقدار.

الاستثنائيون لا يتكررون كثيرا في تاريخ الأمم والمجتمعات، فطوبى لمن عرفوه وزاملوه، وتعلموا من أحد جوانب حياته المشعبة المشرقة.
من اللمحات التي تلخص جانبا من حياته، في يوم تأبينه بفندق السلام، حضر لواء متقاعد زامله في وزارة الدفاع، وحضر ابن اللواء مهندس اتصالات يعمل في شركة زين، كلا الاب والابن يعتبر نفسه زميلا للفاتح. ألم نقل أنه عابر للأجيال والتخصصات.
عندما بدأت مغامرته الأخيرة مع مرض السرطان الذي يخشى الناس حتى ذكر اسمه، لم يترك فرصة ليسمعه أهله ومعارفه من غيره، فمجرد أكدت التحليلات إصابته.، نشر رسالة صوتية للجميع أعلن فيها النتيجة، وحمد الله على الابتلاء، وبكل شجاعة اعلن أنه يعلم نهاية الطريق، وطمأن كل معارفه وكأنهم المرضى وهو المعافى.
رحم الله الفاتح عروة رحمة واسعة، وأدخله فسيح جناته مع الصديقين ولعل الشهداء الذين ودعهم في ساحة العمليات يستبشرون بمقدمه إليهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى