

فيما أرى
عادل الباز
1
ما دخلوا بلداً إلا أفسدوه، وجعلوا أعزّة أهله أذلة، وكذلك يفعلون (حكام الإمارات). ولكن قبل أن تتأمل في خراب الأرض وإفسادها، تأخذك التساؤلات إلى نواحٍ شتى مدهشة: لماذا يسعون لتعمير بلادهم وتدمير الآخرين؟ لماذا كلما حلّوا ديار الآخرين أحالوها إلى أرض خراب؟ لماذا اختاروا السودان هذه المرة، والسودانيون هم من عمّروا أرضهم وزيّنوها ورفدوها بالحب والعلم والخبرات؟ ماذا لو مدّوا خيراتهم واستثماراتهم وأموالهم التي وهبها الله لهم بلا كدّ ولا تعب إلى بلاد المسلمين، وجعلوها جنة بدلاً من أن يبعثوا بإخوتهم إلى جحيم الحروب؟ لماذا يفعلون ذلك؟ ما الجدوى؟ وماذا كسبوا؟ لا شيء… كيف؟
2
انظر ماذا فعلوا بسوريا؟ لم تدخل الإمارات سوريا حباً في الشعب السوري، بل لأنها رأت في الثورة امتداداً للإسلام السياسي، عدوها الأول. لماذا لا تفهم؟ وأرادت كبح النفوذ التركي في شمال سوريا، وأرادت إفشال أي نموذج ثوري يمكن أن يُلهم شعوب المنطقة. لكن كل ما فعلته هو إعادة تأهيل ديكتاتور، وكسرت الإجماع العربي، وأعطت شرعية مقابل لا شيء. في النهاية لم تحقق استقراراً سياسياً. وحين هبّ الثوار ليقتلعوا نظام الأسد الفاسد وقفت ضدهم، ولا تزال تدعم «قسد» لتمزيق سوريا أكثر مما هي ممزقة، وتتبع خطى الصهاينة وتنفذ مخططاتهم.
3
منذ عام 2014 تبنّت الإمارات مشروع اللواء خليفة حفتر بوصفه أداتها في ليبيا. موّلت قواته بمئات الملايين، وزوّدته بالسلاح رغم حظر السلاح الأممي، ووفّرت له طائرات مسيّرة صينية الصنع (Wing Loong)، وأقامت قواعد جوية غير معلنة في شرق ليبيا (الخادم – المرج)، وأدارت غرف عمليات بمشاركة ضباط أجانب. وكان الهدف واضحاً: إسقاط أي مسار ديمقراطي ومنع صعود قوى مدنية أو قريبة من ثورات الربيع العربي.
عندما تشكّلت حكومة الوفاق الوطني بدعم الأمم المتحدة (2016)، لم تدعمها الإمارات، بل دعمت حفتر في رفض الاعتراف بها، وشجعته على الهجوم على طرابلس في عام 2019. دعمت عملية عسكرية تسببت في آلاف القتلى، ونزوح مئات الآلاف، وتدمير البنية التحتية للعاصمة. الهجوم على طرابلس فشل عسكرياً، لكنه دمّر ما تبقى من العملية السياسية. كما سعت الإمارات إلى السيطرة على موانئ الهلال النفطي عبر حلفائها، والتحكم في بعض خطوط تصدير النفط، واستخدام الورقة الاقتصادية للضغط السياسي، ليس حباً في ليبيا، بل ضمن استراتيجية نفوذ إقليمي جشع.
4
دخلت الإمارات الحرب في اليمن عام 2015 تحت شعار دعم الشرعية، لكن مسار تدخلها اتجه سريعاً في اتجاه معاكس. فبدل بناء جيش وطني قوي، شرعت في تشكيل قوات موازية خارج سلطة الدولة، وأضعفت الحكومة الشرعية تدريجياً، حتى دعمت عام 2019 سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على عدن بالقوة.
تركّز اهتمامها لم يكن على استعادة الدولة من الحوثيين، بل على السيطرة على الموانئ والجزر والمواقع الاستراتيجية مثل عدن وسقطرى والساحل الغربي. وبعد سنوات من التدخل، بقي الحوثي في صنعاء، وبقيت الدولة اليمنية ضعيفة ومنقسمة، بينما ترسّخ واقع الميليشيات والكيانات المتوازية. النتيجة: ساهمت عملياً في تفكيك اليمن من الداخل تحت غطاء دعم الشرعية. وها هي تحصد الآن ما جنت يداها، حين هبّت قوات «درع الوطن» تطردها أشد طردة من حضرموت، وغداً إلى عدن… سيتحرر اليمن الجنوبي.
5
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، لعبت الإمارات دوراً محورياً في ترجيح كفة ميليشيا الدعم السريع. قدّمت أبوظبي دعماً سياسياً ومالياً ولوجستياً للميليشيا، ومولت وسهّلت وصول السلاح والعتاد والمرتزقة عبر شبكات إقليمية تمر بليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى. هذا الدعم مكّن الميليشيا من الاستمرار في الحرب رغم افتقارها للحاضنة الشعبية والشرعية.
سياسياً، عملت الإمارات على تبييض صورة الميليشيا دولياً، ومحاولة تقديمها كـ«طرف سياسي» لا كقوة متهمة بارتكاب جرائم واسعة النطاق، بما في ذلك مجازر دارفور، والاغتصابات الجماعية، والتهجير القسري. كما سعت عبر أدوات دبلوماسية وإعلامية إلى خلق سردية مضادة تُحمّل الجيش مسؤولية الحرب وتخفف الضغط عن الدعم السريع.
اقتصادياً، ارتبط اسم الإمارات بملف الذهب السوداني، حيث تشير تقارير عديدة إلى أن جزءاً كبيراً من الذهب الذي تسيطر عليه الميليشيا يُهرّب عبر شبكات مرتبطة بدبي، مما وفّر مصدر تمويل رئيسياً لاستمرار الحرب.
والنتيجة بعد أكثر من عامين من هذا المسار واضحة: الدولة السودانية ضعفت، المجتمع تفكك، الجرائم تضاعفت، ولم يتحقق أي استقرار. أي أن التدخل الإماراتي لم يُنهِ الحرب ولم يحمِ المدنيين، بل ساهم في إطالتها وتعميق كلفتها الإنسانية والسياسية. الإمارات دعمت الميليشيا، ولم تُنتج استقراراً، بل عمّقت الفوضى، وكررت النموذج نفسه الذي رأيناه سابقاً في ليبيا واليمن.
6
الإمارات أرادت أن تتحول من دولة صغيرة إلى لاعب إقليمي يتحكم في الموانئ، وطرق التجارة، والمضائق البحرية، والقرار السياسي في دول أضعف… لكن خسائرها لا تُقاس، وكل مكاسبها فعلياً على الأرض تكتيكية ومؤقتة، منها: نفوذ في شرق ليبيا عبر حفتر، نفوذ في جنوب اليمن وعدن وسقطرى، شبكات اقتصادية مرتبطة بالذهب السوداني، وعلاقات قوية مع قوى مسلحة غير رسمية. لكن هذه المكاسب غير مستقرة، ومكلفة سياسياً، ومهددة بالانهيار في أي لحظة، ومرتبطة بأشخاص لا بدول، أي أنها نفوذ هش لا يشبه النفوذ الحقيقي المستدام.
ماذا خسرت بالمقابل؟ شوّهت سمعتها عالمياً، وأصبحت مرتبطة في الإعلام الغربي بدعم الميليشيات، وتمويل الحروب، وانتهاكات حقوق الإنسان، وزعزعة استقرار الدول. تراجعت صورتها كـ«دولة نموذج»؛ كانت تُسوّق نفسها كدولة تسامح وتنمية، وأصبحت تُذكر مع ليبيا واليمن والسودان والسجون السرية.
تراكمت خصوماتها مع شعوب المنطقة، والقوى المدنية، والنخب السياسية، وقطاعات واسعة في الغرب. تجهل الإمارات أن الذي تخوض فيه ليس صراع نفوذ فقط، بل صراع على دماء بشر، على أطفال قُتلوا، ونساء اغتُصبن، ومدن مُسحت من الوجود. وحين تتحول السياسة إلى آلة لإنتاج المآسي، تصبح الجريمة أكبر من أي خلاف سياسي. المسألة لم تعد أحداثاً منفصلة في دول مختلفة، بل نمطاً متكرراً: دعم ميليشيا هنا، تخريب دولة هناك، ثم انسحاب من دون مسؤولية.
7
هكذا الإمارات حاولت أن تشتري النفوذ عبر الفوضى، فكسبت نفوذاً هشاً، وخسرت سمعة كانت تُبنى منذ عقود.ربحت ميليشيات… وخسرت شعوباً.ربحت موانئ مؤقتة… وخسرت صورة دولة محترمة.ربحت نفوذاً خفياً… وكسبت صورة مشوّهة وكراهية الشعوب.