مهند عوض محمود
عندما اندلعت الحرب كان الدولار يدور حول 580 جنيهاً. أما اليوم فهو يقترب من حاجز الخمسة آلاف جنيه، أي بزيادة تفوق 760% خلال فترة قصيرة، بينما فقد الجنيه السوداني أكثر من 88% من قيمته. ورغم خطورة هذه الأرقام، فإن السؤال الذي يشغل الرأي العام وصناع القرار ما يزال يُطرح بطريقة خاطئة. فالقضية لم تعد لماذا ارتفع الدولار، وإنما من الذي يشتري الدولار؟
لسنوات طويلة جرى تحميل المسؤولية للمضاربين والسماسرة وتجار العملة، وهي عوامل موجودة بلا شك، لكنها لا تفسر وحدها ما يحدث اليوم. فالحقيقة الأكثر إزعاجاً أن الدولة نفسها أصبحت من أكبر طالبي النقد الأجنبي، ليس من باب المضاربة، وإنما بحكم التزاماتها المتزايدة في ظل الحرب والأوضاع الاقتصادية الراهنة.
الحرب التي دخلت عامها الرابع لا تُموّل بالجنيه السوداني وحده كما يتصور البعض. فالسلاح والذخائر وقطع الغيار والإسبيرات والمعدات الفنية وسلاسل الإمداد الخارجية كلها تحتاج إلى الدولار أو العملات الأجنبية. وكلما امتدت الحرب اتسعت فاتورة الطلب على النقد الأجنبي. وفي الوقت نفسه تحتاج الدولة إلى العملات الصعبة لاستيراد الوقود والدواء وبعض السلع الاستراتيجية، فضلاً عن متطلبات تشغيل المرافق الحيوية.
وفي خضم هذه الضغوط أعلن بنك السودان المركزي تعديلات جديدة في سياسات الذهب بهدف جذب الإنتاج إلى القنوات الرسمية وزيادة حصائل الصادر. ومن حيث المبدأ تبدو الخطوة منطقية، فالسودان ينتج أكثر من سبعين طناً من الذهب سنوياً وفق التقديرات الرسمية. لكن السؤال الذي يستحق التوقف هو: كم يدخل فعلياً إلى القنوات الرسمية والخزانة العامة؟ فالأرقام المتداولة تشير إلى أن الكميات الرسمية لا تزال أقل بكثير من الإنتاج الكلي، ما يعني أن جزءاً كبيراً من أهم مورد للنقد الأجنبي ما زال خارج الدورة الاقتصادية الرسمية.
الأخطر من ذلك أن شراء الذهب يتم بالجنيه السوداني. وعندما يحصل المعدنون والتجار على مليارات الجنيهات مقابل إنتاجهم، فإنهم لا يحتفظون بها طويلاً في ظل التراجع المستمر لقيمة العملة المحلية، بل يتجه جزء كبير من هذه السيولة إلى شراء الدولار أو الدرهم أو الذهب مرة أخرى. وبذلك تتحول الأموال التي ضُخت لشراء الذهب إلى طلب إضافي على العملات الأجنبية. أي أن الدولة تضخ الجنيه في السوق ثم تجد نفسها بصورة غير مباشرة تساهم في زيادة الطلب على الدولار.
وفي التوقيت نفسه تقريباً قرر مجلس الوزراء دخول الحكومة في استيراد المشتقات البترولية بهدف ضبط السوق والتحكم في سعر الصرف. لكن القرار يثير سؤالاً أساسياً لم تقدم الحكومة إجابة واضحة عليه حتى الآن: من أين ستأتي بالدولارات اللازمة لاستيراد الوقود؟
إذا افترضنا أن تكلفة الباخرة الواحدة تبلغ نحو 34 مليون دولار، وأن البلاد تحتاج إلى أربع بواخر شهرياً فقط، فإن فاتورة الوقود السنوية تتجاوز 1.6 مليار دولار. وهذه أرقام ضخمة في اقتصاد يعاني أصلاً من شح حاد في النقد الأجنبي. وقد تحدث بعض الاقتصاديين عن إمكانية اللجوء إلى الدفع الآجل أو التسهيلات الائتمانية، لكن الواقع الحالي يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى إمكانية حصول السودان على تمويلات تجارية واسعة في ظل الحرب والعزلة المصرفية والمخاطر المرتفعة التي ينظر بها العالم إلى الاقتصاد السوداني.
وبعيداً عن الوقود والذهب، فإن هناك طلباً متزايداً آخر على الدولار بدأ يلوح في الأفق. فالسودان مقبل عاجلاً أم آجلاً على مرحلة إعادة الإعمار. الكباري التي دمرت لن تُعاد بناؤها بالجنيه، ومحطات الكهرباء لن تُشترى بالجنيه، ومعدات البنية التحتية والمطارات والموانئ والآليات الثقيلة تحتاج جميعها إلى النقد الأجنبي. كما أن قطاع الكهرباء وحده يواجه أزمة ضخمة، إذ تشير التقديرات إلى أن العجز في الإمداد الكهربائي تجاوز 70% في بعض المناطق، بينما تحتاج عمليات التأهيل واستيراد المحولات والإسبيرات والمعدات إلى مئات الملايين من الدولارات.
وفي المقابل تتراجع مصادر الدولار بدلاً من أن تتوسع. فالحرب أضعفت الإنتاج الزراعي والصناعي، وعطلت سلاسل الإمداد، وأخرجت شركات كثيرة من السوق، ورفعت تكاليف النقل والتأمين. والأسوأ من ذلك أن الحكومة ما تزال تتمسك برسوم وجبايات متعددة على الصادرات الزراعية وغيرها من السلع، وهي سياسة توفر إيرادات سريعة بالجنيه لكنها تخصم مباشرة من القدرة التنافسية للصادرات ومن حصائل النقد الأجنبي التي يحتاجها الاقتصاد. فكل رسم إضافي على السمسم أو الفول السوداني أو الصمغ العربي أو غيرها من السلع يعني تكلفة أعلى على المنتج السوداني وفرصة أقل لدخول الدولار إلى البلاد. وهنا ترتكب الدولة خطأً استراتيجياً حين تنظر تحت قدميها بحثاً عن إيراد سريع، بينما تخسر أمامها مورداً أكبر وأكثر استدامة من النقد الأجنبي.
ولا يتوقف النزيف عند هذا الحد. فالسودان يستورد سنوياً كميات كبيرة من السكر بمئات الملايين من الدولارات، فضلاً عن واردات أخرى من السلع الأساسية. ومع كل شحنة جديدة تخرج كمية إضافية من النقد الأجنبي من اقتصاد يعاني أصلاً من محدودية موارده.
وإذا جمعنا فاتورة الحرب، وفاتورة الوقود، وحاجة قطاع الكهرباء، ومتطلبات إعادة الإعمار، واستيراد السكر والقمح والدواء والسلع الأساسية، سنجد أن الطلب على الدولار يتزايد بوتيرة أسرع كثيراً من قدرة الاقتصاد على إنتاجه. وهذه هي النقطة التي يغفلها كثير من التحليلات التي تركز على السوق الموازي وتنسى الاقتصاد الحقيقي.
ومن هنا تبدو الأزمة الحالية أعمق من مجرد مشكلة في سوق الصرف. إنها أزمة إدارة للنقد الأجنبي وأزمة أولويات اقتصادية. فالدولة تحتاج الدولار للحرب، وللوقود، وللكهرباء، ولإعادة الإعمار. والقطاع الخاص يحتاجه للاستيراد والتشغيل. والمواطن يبحث عنه لحماية مدخراته. بينما تتراجع مصادر الحصول عليه بسبب الحرب وتراجع الصادرات والرسوم والجبايات وضعف الإنتاج.
ولهذا فإن الحديث عن المضاربين وحدهم لم يعد مقنعاً. فالسوق لا يتحرك بالتصريحات ولا بالبيانات الصحفية ولا بالاجتماعات الطارئة. السوق تحركه الموارد الحقيقية والثقة والعلاقة بين العرض والطلب. وإذا لم تدخل موارد جديدة وكبيرة من النقد الأجنبي إلى الاقتصاد السوداني، وإذا استمرت كل الأطراف، بما فيها الدولة نفسها، في مطاردة الدولار داخل سوق تعاني أصلاً من نقص شديد في العملات الأجنبية، فإن السؤال لن يكون ما إذا كان الدولار سيتجاوز خمسة آلاف جنيه، بل إلى أي مستوى يمكن أن يصل.
إن المسؤولية هنا تقع مباشرة على عاتق وزارة المالية وبنك السودان المركزي والفريق الاقتصادي بأكمله. فالسودان لا يحتاج إلى قرارات منفصلة للذهب والوقود وسعر الصرف، وإنما إلى رؤية موحدة تدير هذه الملفات باعتبارها أجزاء من معادلة واحدة. فالأزمات الاقتصادية لا تُهزم بالشعارات ولا تُدار بردود الأفعال، وإنما بخطة واضحة تعرف أولاً من أين سيأتي الدولار قبل أن تقرر أين سيُنفق.
فالمشكلة ليست أن الدولار أصبح بخمسة آلاف جنيه، بل أن الاقتصاد السوداني أصبح يستهلك من العملات الأجنبية أكثر مما ينتج، وأن الدولة نفسها باتت تنافس المواطنين والقطاع الخاص على المورد الذي يفترض أن تكون مهمتها الأساسية هي زيادته لا مزاحمة الآخرين عليه. وهذه هي الحقيقة التي يجب أن يبدأ منها أي نقاش جاد حول مستقبل الاقتصاد السوداني.