قطع الشرايين: كيف بدأت نهاية المليشيا (3/3)

فيما أرى | عادل الباز

1

هناك شريان آخر لا علاقة له بالحدود؛ إنه “السماء المفتوحة” التي استُغلت للتغطية، ونفذت المليشيا من هذه الثغرة لإدخال السلاح والتشوين. لا يمكن لدولة كالسودان أن تغطي مساحتها الشاسعة كلياً بمضادات أو أجهزة تشويش؛ فحتى روسيا وأوكرانيا لم تستطيعا تغطية أراضيهما بالكامل. ولكن الآن، أصبحت كل المهابط التي تستخدمها المليشيا ضمن “بنك الأهداف” المعروفة، ويجري التعامل معها يومياً، كما نشاهد في نيالا، ومهابط حمرة الشيخ، وغيرها.

قبل نحو عشرة أيام، بثّت المخابرات المصرية شريط فيديو يوضح كيف تمت التعمية على أجهزة التشويش والحماية، وكيف تم دكّ مخازن الأسلحة والمطار؛ حيث ذكر التقرير: «تم قطع عصب الإمداد في نيالا».

وهذا هو سبب انزعاج الإمارات، وما دفعها لتسريب خبر الأسلحة الباكستانية إلى وكالة “رويترز”؛ فهم يدركون أن وصول تلك الأسلحة سيعني السيطرة الجوية الكاملة للقوات المسلحة. وبما أن إمداد المليشيا يعتمد كلياً على الخارج، فإن قطع تلك الشرايين سيعني دخول الإمارات ومليشيتها في “متاهة الصحراء” حيث ستُدفن هناك.

وقتها، ستصبح آلاف العربات والآليات المتحركة بلا قيمة، وستتحرك (32) متحركاً للجيش المتأهبة الآن تحت غطاء جوي كثيف، لا تهدده المسيّرات الاستراتيجية لأنها ستُحيّد. إن أي قوة مسلحة تفقد القدرة على “التعويض اللوجستي” تصبح عملياً بلا مستقبل، مهما امتلكت من عتاد. المليشيا لم تفهم حتى الآن أنها لا تواجه الجيش السوداني وحده، بل تواجه نظاماً إقليمياً بدأ يدرك أنها مشروع زعزعة مستمر، وأن السكوت عنها خطر على الجميع (مصر، تشاد، جنوب السودان، وإفريقيا الوسطى). إن الجيش الذي تُكسر أضلاعه يبقى قائماً، أما الذي تُقطع شرايينه فيموت واقفاً.

2

هناك شرايين أخرى، اقتصادية ودبلوماسية، تُبقي على حياة المليشيا، وتُدار كلياً بواسطة الإمارات. إن السيطرة على الحدود وعلى المناجم التي يُهرّب منها الذهب يمكن أن تقطع شرياناً حيوياً للتمويل.

كذلك، فإن إفشال التحركات الدبلوماسية الرامية لتوفير غطاء لجرائم المليشيا أصبح ضرورة، خاصة وأن العالم -بعد انكشاف طبيعة المليشيا في أعقاب جرائم الفاشر- قد تغيرت نظرته؛ فلم يعد يراها طرفاً متنازعاً، بل “جماعة إبادة”. لقد انكمش فضاء المناورة الدبلوماسية أمام المليشيا وكفيلها حتى ضاق وضحى كخرم الإبرة.

أصبحت البرلمانات الأوروبية اليوم محاصرة من جماعات الضغط في أمريكا وبريطانيا لتجريم المليشيا، كما حدث في البرلمان البريطاني حين دعا نواب إلى محاسبة منصور بن زايد لدوره في التمويل. المطلوب الآن دور دبلوماسي أكثر فعالية، واستنهاض للجاليات للضغط على الرأي العام الأوروبي. ولأول مرة، بدأت الجاليات السودانية ونشطاء دارفور يمسكون بخيوط التأثير، حتى صار صدى جرائم المليشيا يصل إلى مشرّعين لم يكونوا يعرفون موقع الفاشر، لكنهم يعرفون اليوم اسمها مقروناً بالمجازر.

كما أن هناك تحركات مطلوبة في إفريقيا، التي لا تزال صورة الحرب فيها مشوّشة. إن فضح طبيعة المليشيا “الإبادية” أمام الأفارقة سيقطع شريان التعاطف والإمدادات التي تمر عبر بعض دول القارة.

3

إن المرحلة المقبلة يجب ألا تقتصر على الانهيار العسكري للمليشيا فحسب، بل يجب أن تشمل انهياراً دبلوماسياً وإعلامياً لتكتمل لوحة “قطع الشرايين”؛ وهي العملية التي يمكن أن تحسم الحرب قبل تدمير المليشيا نهائياً.

لقد تكشفت الصورة كاملة: لم تكن الحرب مجرد حرب مدن ومعسكرات، بل كانت “حرب شرايين”. ففي ليبيا قُطع الدم الأول، وفي تشاد جفّ الرافد الثاني، وتداعت معهما أحلام المرتزقة. ومن إفريقيا الوسطى إلى جنوب السودان، ثم إثيوبيا، أُغلقت الممرات التي بُنيت عليها أوهام القوة.

لقد كشفنا عبر هذه السلسلة أن المليشيا بصدد فقدان شرايين حياتها الستة:

 شرايين السلاح.

  شرايين المرتزقة.

  شرايين الذهب.

 شرايين الدبلوماسية.

 شرايين السماء والحدود.

لم يعد السؤال الآن: “هل ستسقط المليشيا؟”، بل “متى ينقضي الوقت؟”. فالزمن لم يعد يعمل لصالحها، والإقليم لا يحتملها، والعالم عاجز عن التغطية عليها. لقد ماتت المليشيا يوم بدأت عملية قطع شرايينها، وما نراه الآن ليس صراع بقاء، بل رفيف جناح يحتضر قبل السقوط الأخير. وأفضل سيناريو للمليشيا وكفيلها هو إلقاء السلاح، والهروب إلى جنهم و بئس المصير.

Exit mobile version