رأي

{قصة الدمع الذي لن يجف}

كلمة حق خليل فتحي خليل يكتب ..

ابوي ديدان وامي آمنة.. أربعة شهداء من بيت واحد، فأين يليق بهم التكريم؟

ما أقسى أن تمنح الوطن أغلى ما تملك، ثم تعود إليه مثقلاً بأوجاع الفقد، فلا تجد من الاستقبال ما يليق بحجم التضحيات! وما أوجع أن تفقد الأم أربعة من أبنائها، ثم تضطر إلى أن تحمل حزنها في صمت، بينما تنشغل الأضواء بتفاصيل أخرى، ويُفتح السجاد الأحمر لمن تصنع لهم الكاميرات لحظات المجد العابر!

هناك قصص لا تُقرأ بالعين وحدها، بل تُقرأ بوجع القلب، وتُفهم بميزان الوفاء، وتُختبر عندها ضمائر الأوطان. وهناك مواقف تضعنا أمام أسئلة قاسية، لا لأن الإجابات غائبة بالضرورة، وإنما لأن مجرد طرحها يكشف عن خلل يستحق المراجعة، وعن قيم ينبغي أن نستعيد ترتيبها قبل أن نفقد ما تبقى من معاني الوفاء.

ومن بين القصص التي هزت وجداني، وأثارت شجوني، وأرقت مضجعي، قصة العم ديدان وزوجته آمنة؛ أبوين قدّما أربعة من فلذات أكبادهما شهداء، وعادا إلى أرض الوطن الذي غادراه بعد أن تتابعت عليهم الفواجع، فكان الفقد في بيتهما أكبر من أن تحمله الكلمات، وكانت التضحية أكبر من أن تختصرها عبارات المواساة.

لقد كتب الصديق الحبيب والغالي، الأستاذ عادل الباز، من أرض المهجر، مقالاً أثار في نفسي عاصفة من الأسئلة، وأعاد إلى الواجهة قضية لا ينبغي أن تمر مرور الكرام: قضية الوفاء لأسر الشهداء، ومدى ما تحظى به هذه الأسر من تقدير ورعاية واهتمام يليق بحجم ما قدمته للوطن.

توقف عادل عند مشهد وصول العم ديدان وزوجته آمنة إلى أرض الوطن، وما أُثير حول طبيعة الاستقبال الذي حظيا به في المطار، مقارنة بما يراه الناس من مظاهر احتفاء واستقبال تحيط بها الكاميرات والأضواء والموسيقى.

ولم يكن وجعي من المقارنة في حد ذاتها، بقدر ما كان من المعنى الذي تحمله، ومن السؤال الذي تقذفه في وجوهنا جميعاً: كيف نريد للوطن أن يكون وفياً لشهدائه، إذا لم نجعل الوفاء لأسرهم سلوكاً يومياً، وواجباً أخلاقياً، ومسؤولية تتقدم على المجاملات والمظاهر؟

أربعة شهداء.. وأمٌّ لا تستطيع الأيام أن تعيد إليها أبناءها

دعونا نتوقف قليلاً أمام هذه الحكاية، بعيداً عن ضجيج المواقف والتجاذبات، ولنضع أنفسنا مكان ديدان وآمنة.

أربعة أبناء!

تأملوا هذا الرقم جيداً، لا باعتباره عدداً عابراً، وإنما باعتباره أربع حكايات عمر، وأربعة أحلام، وأربعة أصوات كانت تملأ أرجاء البيت، وأربع خطوات كانت تطرق الباب، وأربعة مقاعد ربما ظلت الأم تتطلع إليها في لحظات الحنين.

أربعة أبناء كانوا جزءاً من مستقبل الأسرة، ومن دفء البيت، ومن تفاصيل الحياة اليومية التي لا يعرف قيمتها الحقيقية إلا من فقدها.

أي قلب يستطيع أن يستوعب هذا الفقد؟

وأي أم تستطيع أن تتجاوز بسهولة غياب أربعة من أبنائها؟

وأي أب يمكنه أن ينسى أن الذين كان ينتظر منهم أن يحملوا اسمه، ويملؤوا عليه شيخوخته بالأنس والطمأنينة، صاروا ذكريات تسكن القلب، وصوراً تستدعي الدموع، وأسماءً تستيقظ معها الأحزان؟

إننا نتحدث عن أب وأم، عن ديدان وآمنة، عن إنسانين حملا في قلبيهما حكاية تضحية موجعة، وعن أسرة دفعت ثمناً لا يمكن أن تفيه الكلمات حقه.

ومهما قلنا عن الصبر، ومهما تحدثنا عن الإيمان بقضاء الله وقدره، فإن ذلك كله لا يلغي حقهما في المواساة والتكريم والرعاية. فالإيمان لا يعني أن نترك أصحاب المصائب وحدهم، والصبر لا يعفينا من مسؤولية الوقوف إلى جوارهم، والاحتساب لا يسقط واجب المجتمع في رد الجميل.

إن تكريم أسرة فقدت أربعة من أبنائها شهداء لا ينبغي أن يكون منحة عابرة، بل موقفاً وطنياً وأخلاقياً يعبر عن احترام التضحية وصون كرامة أصحابها.

يا عادل الباز.. لقد وضعت يدك على جرح مفتوح!

الصديق العزيز عادل الباز، لقد فتحت بمقالك باباً واسعاً للتأمل، ودفعتنا إلى مواجهة سؤال مؤلم حول أولوياتنا الاجتماعية والإعلامية، وحول الطريقة التي نعبّر بها عن تقديرنا لمن يستحقون التقدير.

وأنت تكتب من أرض المهجر، بدا أن المسافة الجغرافية لم تمنعك من الاقتراب من وجع الوطن، وأن الغربة لم تستطع أن تطفئ في داخلك حساسية الإنسان تجاه القضايا التي تمس الكرامة والوفاء.

إن المقال الذي يثير الشجون لا تكمن قيمته في مقدار ما يثيره من انفعال فحسب، وإنما في قدرته على تحويل الألم إلى قضية عامة، وتحويل السؤال الفردي إلى مسؤولية مشتركة.

وقصة ديدان وآمنة تستحق أن تتجاوز حدود التعاطف اللحظي، وأن تتحول إلى نقاش جاد حول حقوق أسر الشهداء، وأوضاعهم المعيشية والنفسية والاجتماعية، ومدى حضورهم في برامج الدولة والمؤسسات والمجتمع.

فكم من أسرة فقدت أبناءها، ثم وجدت نفسها أمام أعباء الحياة وحدها؟

وكم من أم تستيقظ كل صباح على ذكرى ابنها الشهيد، وتخفي دمعتها عن الآخرين، بينما تحتاج إلى من يطرق بابها، ويسأل عن حالها، ويؤكد لها أن أبناءها ما زالوا حاضرين في وجدان الناس؟

وكم من أب فقد ابنه، ثم وجد نفسه مضطراً إلى مواجهة أعباء المعيشة والمرض والشيخوخة، دون أن يجد يداً تمتد إليه، أو مؤسسة تتفقد أحواله، أو مجتمعاً يضعه في مقدمة أولوياته؟

إننا لا نملك إحصاءً دقيقاً لكل هذه الحكايات، لكننا نملك واجباً واضحاً: أن نبحث عن هذه الأسر، وأن نسمع أصواتها، وأن نعرف احتياجاتها، وألا ننتظر حتى تتحول معاناتها إلى قضية رأي عام كي نلتفت إليها.

حين تستقبل الكاميرات المشاهير.. من يستقبل أصحاب التضحيات؟

لقد أثارت المقارنة التي طرحها عادل الباز بين استقبال أسرة ديدان وآمنة وما يصاحب استقبال بعض الفنانين والمشاهير من كاميرات وموسيقى واحتفاء، تساؤلات تستحق النقاش.

وهنا أقول بوضوح: لسنا ضد تكريم الفنانين، ولا ضد الاحتفاء بالمبدعين، ولا ضد استقبال أي إنسان بما يليق بمكانته وجهده. فالفن رسالة، والإبداع يستحق التقدير، والناس من حقها أن تفرح بمن تحب.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا لا تحظى أسر الشهداء بالقدر نفسه من الاهتمام المنظم، والرعاية المستمرة، والحضور الإعلامي الذي يعرّف المجتمع بتضحياتها واحتياجاتها؟

لماذا تستطيع مؤسسات كثيرة تنظيم احتفالات، وحشد الكاميرات، وإعداد البرامج، وتخصيص الموارد للمناسبات المختلفة، بينما تظل متابعة أحوال بعض أسر الشهداء في حاجة إلى مبادرات فردية واجتهادات متفرقة؟

لماذا لا تكون هناك بروتوكولات واضحة لاستقبال أسر الشهداء العائدين إلى أرض الوطن، تراعي ظروفهم، وتحفظ كرامتهم، وتمنحهم الشعور بأن تضحيات أبنائهم حاضرة في ذاكرة البلاد؟

إن القضية أعمق من مشهد في مطار، وأكبر من صورة لم تُلتقط، وأبعد من استقبال لم يحظَ بما يستحقه من اهتمام.

القضية هي ترتيب الأولويات، وترسيخ ثقافة الوفاء، والانتقال من الاحتفاء الموسمي بالشهداء إلى الرعاية الحقيقية لأسرهم.

فما قيمة الكلمات التي نتغنى فيها ببطولات الشهداء، إذا لم تتحول إلى أفعال تخفف عن أسرهم أعباء الحياة؟

وما جدوى رفع الشعارات التي تمجد التضحية، إذا لم تجد الأم التي فقدت أبناءها من يسأل عن دوائها، ويطمئن على معيشتها، ويحفظ كرامتها؟

وما معنى أن نطالب الأجيال القادمة بحب الوطن والدفاع عنه، إذا لم نثبت لهم أن الوطن يحفظ الجميل لأبنائه، ويصون كرامة الذين قدموا أرواحهم من أجله؟

إن الاحتفاء بالفن والمشاهير حق، لكن الوفاء لأسر الشهداء واجب لا ينبغي أن يتراجع أمام بريق الأضواء.

تخيلوا أنفسكم مكان ديدان وآمنة!

أريد من كل أب أن يتوقف لحظة، وأن يتخيل أن أبناءه الأربعة الذين يملؤون عليه البيت حياةً وفرحاً قد غادروا الدنيا واحداً بعد الآخر.

وأريد من كل أم أن تتخيل أن أسماء أبنائها الأربعة تحولت إلى ذكريات، وأن مقاعدهم ظلت خالية، وأن صوت خطواتهم الذي اعتادت سماعه أصبح حلماً لا يتحقق.

ثم تخيلوا أن هذه الأم وهذا الأب عادا إلى وطنهما بعد سنوات من الغربة، يحملان في قلبيهما حنيناً إلى الأرض والناس والبيوت والشوارع، وربما يحملان كذلك أشواقاً إلى أن يجدا من يقول لهما: أهلاً بكما في وطن لم ينسَ أبناءكما، ولن يترككما وحدكما.

ما الذي يمكن أن يمنحهما شعوراً بالأمان؟

أهي الكلمات العابرة؟

أم صورة تذكارية؟

أم تصفيق في مناسبة عامة؟

كل ذلك قد يكون جميلاً في موضعه، لكن الأهم أن يجدا احتراماً حقيقياً، واستقبالاً كريماً، ورعاية ملموسة، ومؤسسات تعرف واجبها تجاههما.

إن الأسرة التي فقدت أربعة من أبنائها تحتاج إلى ما هو أبعد من مراسم التكريم. تحتاج إلى من يصغي إليها، ويتفهم أحزانها، ويتابع احتياجاتها، ويصون خصوصيتها، ويمنحها حقها في العيش الكريم.

ولأن الفقد لا يُقاس بالأرقام وحدها، فإننا نحتاج إلى النظر في أوضاع جميع أسر الشهداء، لا إلى أسرة ديدان وآمنة وحدها. فهناك أسر أخرى تحمل حكايات موجعة، وأمهات وآباء يواجهون الغياب بصمت، وأطفال يحتاجون إلى التعليم والرعاية، وزوجات يحتجن إلى الأمان والاستقرار.

كم من ديدان وآمنة بين أسر الشهداء في السودان؟

هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا، وأن يدفعنا إلى العمل، لا إلى الاكتفاء بالحزن والغضب.

أسر الشهداء.. من التعاطف إلى الحقوق

أقولها بوضوح: إن الاهتمام بأسر الشهداء ينبغي أن يكون واجباً مؤسسياً واجتماعياً مستمراً، لا مبادرة ترتبط بمناسبة أو زيارة أو موجة تعاطف على منصات التواصل الاجتماعي.

والوفاء الحقيقي يبدأ من وضع سياسة واضحة لحصر أسر الشهداء، والتعرف إلى احتياجاتها، وتوفير الرعاية الصحية والاجتماعية والنفسية لها، وضمان حصول المستحقين على حقوقهم وفق الأطر القانونية والإدارية المعتمدة.

كما ينبغي إنشاء برامج مستدامة لدعم تعليم أبناء الشهداء، ومساندة الأسر التي فقدت معيلها، وتوفير فرص كريمة للتمكين الاقتصادي لمن يحتاج إلى ذلك، مع تخصيص قنوات واضحة لتلقي الشكاوى ومتابعتها.

وأقترح في هذا السياق أن تتبنى الجهات المختصة مبادرة وطنية تحمل اسم «الوفاء لأسر الشهداء»، تتشارك فيها مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمنظمات الوطنية والمجتمع المدني، وتقوم على محاور عملية، أهمها:

أولاً: الرعاية الاجتماعية. إعداد قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة لأسر الشهداء، مع مراعاة خصوصية المعلومات، وتحديد احتياجات كل أسرة وفق ظروفها الفعلية.

ثانياً: الرعاية الصحية. توفير مسارات واضحة للعلاج والمتابعة الطبية، وإعطاء الأولوية للحالات التي تحتاج إلى تدخل عاجل، مع الاهتمام بالصحة النفسية لأفراد الأسر الذين مروا بتجارب فقد قاسية.

ثالثاً: التمكين الاقتصادي. دعم المشروعات الصغيرة، وتوفير فرص التدريب والعمل، ومساعدة الأسر على بناء مصادر دخل مستدامة تحفظ كرامتها واستقلالها.

رابعاً: تعليم الأبناء. متابعة أوضاع الطلاب من أسر الشهداء، وتيسير فرص التعليم والمنح الدراسية، ومعالجة العوائق التي قد تحرمهم من مواصلة دراستهم.

خامساً: التكريم اللائق. تنظيم استقبال كريم لأسر الشهداء العائدين إلى الوطن، والاحتفاء بهم في المناسبات الوطنية، وتوثيق تضحيات أبنائهم بما يحفظ كرامتهم وخصوصيتهم.

سادساً: المتابعة والمساءلة. نشر تقارير دورية عن البرامج المقدمة، وقياس مدى وصول الدعم إلى مستحقيه، وتحديد المسؤوليات بوضوح، حتى يصبح الوفاء ممارسة قابلة للتقييم، لا مجرد شعار جميل.

هذه المقترحات لا تنتقص من جهود أي جهة تقوم بواجبها، وإنما تدعو إلى توسيع العمل، وتحسين التنسيق، وضمان ألا تسقط أي أسرة من حسابات الرعاية والاهتمام.

فالمطلوب أن ننتقل من السؤال: من الذي كرّم هذه الأسرة؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نضمن ألا تُترك أي أسرة شهيد دون رعاية أو اهتمام؟

لا تتركوا الوطن يسكن في قلوب أبنائه ثم يغيب عن وجعهم!

من أقسى ما يمكن أن يشعر به الإنسان أن يمنح وطنه الكثير، ثم يجد نفسه غريباً عن الاهتمام حين يحتاج إليه.

ولا أقصد بالوطن تراب الأرض وحده، بل أقصد المؤسسات والمجتمع والناس، وكل من تقع على عاتقه مسؤولية صون كرامة المواطنين.

إن الوطن الذي نريده هو الذي يتذكر أبناءه في ساعات الشدة، ويعرف كيف يواسي أمهاتهم وآباءهم، ويقف إلى جوار أسرهم، ويمنحهم الأمان الذي يستحقونه.

أما أن تظل تضحيات الشهداء حاضرة في الخطب والمناسبات، ثم يغيب الاهتمام عن تفاصيل حياة أسرهم، فذلك تناقض ينبغي أن نعمل على معالجته.

ولا ينبغي أن تتحول قصة ديدان وآمنة إلى مادة للجدل العابر، أو إلى ساحة لتبادل الاتهامات، بل يجب أن تكون مناسبة لمراجعة مؤسساتية جادة، تضع الوقائع في سياقها، وتحدد أوجه القصور إن وجدت، وتقترح الحلول، وتمنع تكرار ما أثار هذا القدر من الألم والتساؤل.

فالغاية ليست أن ننتصر في معركة كلامية، وإنما أن ننتصر لقيمة الوفاء.

والهدف ليس أن نُدين أشخاصاً دون التثبت من التفاصيل، وإنما أن نرسخ مبدأً لا خلاف حوله: أن أسر الشهداء تستحق الاحترام والرعاية والتقدير، وأن أي تقصير في هذا الجانب ينبغي أن يجد طريقه إلى المعالجة الجادة.

رسالة إلى المسؤولين.. ورسالة إلى المجتمع

إلى المسؤولين في الدولة، وإلى المؤسسات المعنية بأسر الشهداء، وإلى الجهات التي تنظم المناسبات الوطنية وتدير برامج الرعاية:

إن الوفاء لا يُقاس بعدد البيانات التي تصدرونها، ولا بطول الكلمات التي تلقونها في الاحتفالات، وإنما بما يجدُه أصحاب التضحيات في واقع حياتهم.

ابحثوا عن الأسر التي تحتاج إلى العون، وافتحوا أبواب مؤسساتكم أمامها، وراجعوا الإجراءات التي تعطل حقوقها، واجعلوا كرامتها معياراً أساسياً لنجاح برامجكم.

ولا تنتظروا أن تكتب صحيفة أو ينشر ناشط أو يطلق مواطن نداءً مؤلماً حتى تتحركوا. فالمؤسسات الناجحة هي التي تصل إلى أصحاب الحاجة قبل أن يضطروا إلى طلب المساعدة علناً.

وإلى رجال الأعمال والمقتدرين وأصحاب المبادرات الخيرية، إن دعم أسر الشهداء مجال واسع للعمل الإنساني المنظم. ويمكن للمؤسسات الخاصة أن تسهم في العلاج والتعليم والتمكين الاقتصادي، بالتنسيق مع الجهات المختصة، وبما يحفظ كرامة الأسر ويضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها.

وإلى الإعلاميين والصحفيين والفنانين والمبدعين، تقع علينا مسؤولية كبيرة في إبقاء هذه القضية حية في الوجدان العام، بعيداً عن الاستغلال العاطفي، وبعيداً عن تحويل آلام الناس إلى مادة للاستهلاك الإعلامي.

لنجعل من الإعلام جسراً يصل بين الأسر وحقوقها، ومن الفن رسالة وفاء، ومن الاحتفاء بالمشاهير مناسبة لتذكير المجتمع بمن يستحقون منا كل التقدير.

ولنتذكر دائماً أن تكريم أسرة الشهيد لا يعني عرض أحزانها أمام الكاميرات، وإنما يعني احترامها، والإنصات إليها، ومساندتها بالطريقة التي تحتاج إليها.

ديدان وآمنة.. حكاية أكبر من مطار

يا عم ديدان، ويا أمي آمنة، إن قصتكما تضع أمامنا مرآة صادقة نراجع فيها أنفسنا، ونختبر بها معنى الوفاء الذي نتحدث عنه كثيراً.

أربعة من الأبناء رحلوا شهداء، ولا توجد كلمات تستطيع أن تعوضكما عنهم، ولا مراسم يمكن أن تملأ الفراغ الذي تركوه في قلبيكما.

لكن من حقكما أن تجدا وطناً يتذكر أبناءكما، ومجتمعاً يحيط بكما بالمحبة والاحترام، ومؤسسات تتابع احتياجاتكما، وأيادي تمتد إليكما دون أن تضطرا إلى طرق الأبواب مراراً.

ومن حقكما أن تشعرا بأن التضحية التي قدمها أبناؤكما لم تذهب إلى ذاكرة النسيان، وأن الوطن الذي عادتما إليه يعرف أن وراء كل شهيد أماً وأباً، وأسرةً دفعت ثمناً باهظاً، وأحلاماً توقفت عند لحظة الفقد.

إننا لا نستطيع إعادة الأبناء إلى أحضان أمهاتهم، لكننا نستطيع أن نخفف عن الأمهات بعض أعباء الحياة.

ولا نستطيع محو الحزن من قلوب الآباء، لكننا نستطيع أن نجعلهم يشعرون بأنهم محاطون بأهلهم وناسهم.

ولا نستطيع أن نفي الشهداء حقهم كاملاً، لكننا نستطيع أن نكون أوفياء لأسرهم، وأن نحفظ أسماءهم في الذاكرة الوطنية، وأن نجعل رعاية ذويهم التزاماً مستمراً.

وهذا أقل ما يمكن أن نقدمه.

كلمة أخيرة.. الشهداء أكرم منا جميعاً

في نهاية هذا المقال، أعود إلى السؤال الذي بدأ منه كل شيء: كيف ينبغي أن نعامل أسرة قدمت أربعة من أبنائها شهداء؟

أقول إن الإجابة تبدأ من احترام الإنسان، وتستمر عبر الرعاية والاهتمام، وتكتمل حين تصبح حقوق أسر الشهداء جزءاً ثابتاً من أولويات الدولة والمجتمع.

لا أكتب هذه الكلمات بحثاً عن تصفيق، ولا رغبة في صناعة ضجيج عابر، وإنما لأن قصة ديدان وآمنة أيقظت في داخلي أسئلة لا يجوز أن ندفنها تحت ركام الصمت.

لقد آن الأوان أن نراجع الطريقة التي نكرّم بها من يستحقون التكريم، وأن نمنح أسر الشهداء مكانتها التي تليق بتضحيات أبنائها، وأن ننتقل من التعاطف إلى العمل، ومن الكلمات إلى البرامج، ومن الوعود إلى النتائج.

فكل أم شهيد تستحق أن تجد من يواسيها، وكل أب شهيد يستحق أن يجد من يسانده، وكل أسرة فقدت أبناءها تستحق أن تعيش بكرامة وأمان.

أما أسرة قدمت أربعة شهداء، فإن حكايتها تستوجب اهتماماً خاصاً، ومتابعة جادة، ورعاية تتناسب مع حجم الفقد، دون أن يكون ذلك على حساب بقية الأسر التي تستحق بدورها الرعاية والإنصاف.

الشهداء أكرم منا جميعاً، وأسرهم أمانة في أعناقنا جميعاً.

فلا تجعلوا الوفاء لهم مجرد كلمات تُقال حين تشتد العاطفة، ولا تجعلوا التكريم مناسبة تنتهي بانتهاء التصفيق.

اجعلوا الوفاء سلوكاً، والرعاية حقاً، والتكريم ثقافة، والاهتمام بأسر الشهداء مسؤولية لا تسقط بالتقادم.

وإذا كان الوطن لا يستطيع أن يعيد إلى ديدان وآمنة أبناءهما الأربعة، فإن أقل ما يستطيع فعله هو أن يحتضنهما بما يليق بتضحياتهما، وأن يثبت لهما بالفعل قبل القول أن أبناءهما ما زالوا في قلب الوطن وذاكرته.

يا ديدان ويا آمنة، إن أبناءكما الأربعة أكبر من أن تختصر حكايتهم في مراسم استقبال، وأعظم من أن يغيب أثر تضحياتهم عن وجدان الناس.

ويا وطني، إن الوفاء لأبنائك لا يكتمل بتوديع الشهداء، بل يبدأ من رعاية الذين تركوهم خلفهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى