بقلم حسن الدنقلاوي
عندما تغتال المسيرات براءة المهد ويغفو الضمير الإنساني
في عالمٍ باتت فيه الإنسانية مجرد مصطلحٍ منسي في قواميس الدبلوماسية المترفة، تطل علينا فاجعة قرية الكاهلي لتعيد ترتيب أولويات الفجيعة. هناك، حيث لم تعد السماء مظلةً للأمان، بل صارت مصدراً للموت الزؤام، وحيث لم تعد الأمومة قدساً منيعاً، بل أصبحت في منطق الحشد التآمري تهديداً مزعوماً للأمن السلمي!
أيّ انحدارٍ قيمي هذا الذي يجعل من رضيعٍ لم يغادر مهده هدفاً استراتيجياً؟ وأيّ بربريةٍ تلك التي ترى في بزازة طفلٍ سلاحاً، وفي ابتسامته الفطرية خطراً وجودياً يستوجب الاستئصال بآلات القتل المسيرة؟
براءة تحت المقصلة.. وسماء تمطر غدراً
إن ما حدث في قرية الكاهلي زيدان بولاية الجزيرة ليس مجرد خطأ تقني أو أضرار جانبية، بل هو إمعانٌ في سلوك بربري متعطش للدماء، يتجاوز كل الخطوط الحمراء التي رسمتها الحضارات البشرية. إن استهداف القرى الآمنة وتحويل بيوت الطفولة إلى ركام، هو إعلان صريح عن موت الضمير لدى المعتدي، الذي بات يرى في الطفل الصغير قبل أن يبلغ أشده عدواً يتربص به.
إننا نوجه هذا النداء إلى المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان: إن صمتكم حيال تمزيق أجساد الأطفال هو تواطؤٌ مضمر مع القاتل، فالقيم لا تتجزأ، ودماء الأبرياء لا تُصنف وفقاً للجغرافيا أو المصالح السياسية. إن تحويل الرضع إلى أهداف عسكرية هو قمة الإفلاس الأخلاقي والسقوط القيمي الذي سيذكره التاريخ كوصمة عار لا تمحى.
رسالة الصمود: عزاءُ الأحرار وعهدُ الانتصـار
وإننا إذ نقف بقلوبٍ يملؤها الإيمان بقضاء الله، ونفوسٍ شامخة شموخ الجبال، نتوجه بأسمى آيات التعازي والمواساة إلى أسر الشهداء الأبرار في قرية الكاهلي. إن هؤلاء الشهداء، الذين خضّبت دماؤهم الزكية تراب الوطن، هم أقمارٌ أضاءت بدمائها دروب الكرامة والعزة ، وشهودٌ على خسة غدرٍ لم يرحم شيباً ولا شباباً ولا رضيعاً في مهده.
كما نبتهل إلى المولى القدير بأن يمنّ بالشفاء العاجل على الجرحى والمصابين، وأن يجعل من أوجاعهم برداً وسلاماً، ومن جراحهم نياشين فخرٍ تحملها أجسادهم شاهداً على صمود المظلوم وغطرسة الظالم.
إرادةٌ فوق كيد المسيرات
إننا نرسلها رسالةً مدوية إلى كل من توهم أن طنين المسيرات أو غدر المتآمرين يمكن أن يفتّ في عضد هذا الشعب: إن إرادة الشعب السوداني عصيّةٌ على الانكسار. قد يغتالون فلذات الأكباد، وقد يستهدفون القرى الآمنة، لكنهم لن يفلحوا أبداً في انتزاع العزة من صدورنا.
إن هذا الشعب الذي جُبل على الكرامة، لا تزيده المحن إلا تلاحماً، ولا يزيده استهداف براءته إلا إصراراً على حماية أرضه وعرضه. سيبقى السودان عصياً، وستظل دماء أطفال قرية الكاهلي لعنةً تلاحق القتلة ونوراً يضيء لنا طريق الخلاص، فما فُقدت أمةٌ تُقدم أطفالها قرابين في محراب الحرية والكرامة.
المجد والخلود للشهداء الأبرار.. الشفاء العاجل للجرحى.. والخزي والعار للبرابرة المتآمرين.