بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم محمد يوسف العركي
ثمة رجالٌ لا تحتاج إلى أن يرفعوا أصواتهم كي تشعر بعلوّ مقامهم، يكفي أن تجلس إليهم حتى تشعر أن للعلم هيبة، وللفكر سكينة، وللتواضع جمالاً لا تصنعه الكلمات. رجالٌ تكون صحبتهم نوعًا من التعلم، ويغدو الحوار معهم رحلةً في رحاب المعرفة، لا لأنهم يملكون الإجابات فحسب، بل لأنهم يحسنون صياغة الأسئلة أيضًا.
ومن هولاء هذه القامات يبرز الدكتور عبد الله حمد الدليمي، الأكاديمي والباحث القطري الذي جمع بين التخصص العلمي الدقيق في علم الاجتماع الحضري من جامعة «بروفانس» في فرنسا، والخبرة الأكاديمية الممتدة عبر جامعة الملك سعود بالرياض وجامعة قطر، وبين شغف معرفي لم يتوقف عند حدود التخصص، وإنما اتسع ليشمل الفكر والمجتمع والتربية والثقافة والاعلام والآداب وقضايا الإنسان.
ولعل ما يلفت في شخصية الدكتور عبد الله أن سعة معرفته لا تقف عند العلوم الاجتماعية والفكر الأكاديمي؛ فهو صاحب معرفة عميقة باللغة العربية وآدابها، وإلمام واسع بأشعار العرب وطبقات الشعراء ومدارسهم وطرائق تعبيرهم. وله مع الشعر علاقة تتجاوز الحفظ والاستشهاد إلى التذوق والفهم والنفاذ إلى ما وراء الكلمة والصورة والإيقاع. ويزداد هذا الحضور الأدبي ثراءً بما يمتلكه من معرفة بالشعر النبطي الخليجي، بوصفه جزءًا أصيلًا من الذاكرة الثقافية والاجتماعية للخليج، وما يحمله من حكم وتجارب وقيم وصور متوارثة عن الإنسان والمكان والقبيلة والبحر والصحراء.
وفي حديثه عن الشعر، كما في حديثه عن العلم، تشعر أنك أمام عقل لا يفصل الثقافة عن سياقها الاجتماعي؛ فالقصيدة عنده ليست أبياتًا موزونة فحسب، وإنما وثيقة للوجدان، وسجل للذاكرة، ومرآة لتحولات المجتمع. ولذلك فإن معرفته بالشعر العربي الفصيح والشعر النبطي الخليجي تمنح مجالسه بعدًا آخر، إذ ينتقل بك بسلاسة من قضية اجتماعية إلى بيت من عيون الشعر، ومن فكرة أكاديمية إلى حكمة عربية، ومن تحليل ظاهرة معاصرة إلى صورة شعرية تختزن تجربة إنسانية كاملة.
والجلوس إلى الدكتور عبد الله في مجالس المعرفة والثقافة ليس لقاءً عابرًا فهو أقرب إلى درسٍ حيّ في فن التفكير الهادئ، والحوار المتزن، والنظر إلى القضايا من أكثر من زاوية. لا يفرض رأيه، ولا يتعامل مع المعرفة بوصفها امتيازًا شخصيًا، وإنما يفتح أبوابها للآخرين، ويترك للفكرة أن تقنع بذاتها، وللدليل أن يأخذ مكانه، وللعقل أن يمارس حقه في السؤال والتأمل.
وتزداد تلك المجالس أُنسًا وثراءً بحضور رفيق دربه وصديق عمره الأستاذ عبد العزيز القحطاني (أبو فهد)، والأديب الأستاذ محمد الجفيري، إلى جانب نخبة من أهل العلم والفكر والمعرفة. وهناك، في ذلك الفضاء الإنساني الدافئ، تتجاوز المجالس كونها لقاءات اجتماعية لتصبح مختبرات حقيقية للأفكار؛ يُطرح الرأي فيها بلا تعصب، ويُناقش بلا خصومة، ويُختبر بالمنطق والدليل، في أجواء تتجاور فيها الحكمة مع الألفة، والمعرفة مع التواضع، ويظل الإنسان قبل الفكرة هو القيمة الأهم.
ولعل أجمل ما يميز الدكتور الدليمي أن علمه لا يحجب إنسانيته، وأن اتساع تجربته لا يزيده إلا تواضعًا. فالعالِم الحقيقي ليس من يملأ المجلس بحضوره، وإنما من يترك في نفوس الجالسين مساحةً أوسع للتفكير. وليس من يجعل الآخرين يصغون إليه، بل من يجعلهم يرغبون في مواصلة البحث بعد انتهاء الحديث.
وتتجلى هذه الروح في خارطته الفكرية وإصداراته المتنوعة. ففي كتابه «من رحيق الفكر.. تأملات.. ثقافة» تتبدى رحلة معرفية واسعة عبر أربعة أجزاء، عالج فيها جملة من المسائل العلمية والاجتماعية والدينية، متنقلًا بين المقالات المنشورة والشذرات المنهجية، وصولًا إلى تاريخ الفكر الاجتماعي عند العرب والمسلمين، ومناقشة مسارات علم الاجتماع الغربي. وهي رحلة تكشف عن عقل لا يرى المعرفة جزرًا منفصلة، وإنما يقرأها في ترابطها وتفاعلها مع الإنسان والمجتمع.
وفي كتابه الحواري «حوارات العلم والإيمان»، بالاشتراك مع الأستاذ ياسر محمد جابر، تتجلى نزعة أخرى من نزعاته الفكرية، نزعة الحوار الذي يقترب من الأسئلة الكبرى المتعلقة بالدين والحياة والعلم، بعيدًا عن التكلف والمماحكة، وبقدر واضح من العفوية والشفافية. فالحوار عنده ليس معركة لإثبات الغلبة، وإنما وسيلة للوصول إلى قدر أكبر من الفهم.
أما كتابه «مقالات صحفية بمنظار أكاديمي.. أفكار بحثية»، فيمثل مساحة مميزة يلتقي فيها الأكاديمي بالمثقف، والباحث بالشأن العام. ففي اثنتين وعشرين محطة نقدية، ينتقل الدكتور الدليمي بين موضوعات تبدو متباعدة في ظاهرها، لكنها تلتقي في اهتمامها بالإنسان والمجتمع: من خطبة الجمعة وتحديات الأمة، إلى قيم التعليم والأخلاق، ودور الإعلام والشعر العربي، وقضايا المتقاعدين، ورياضة كرة القدم ولعبة الشطرنج، وصولًا إلى قراءة الاستثمار عند الصحابي عبد الرحمن بن عوف، والتأمل في مستقبل أطفالنا في زمن التكنولوجيا.
وهنا تتضح إحدى أهم خصائص تجربته: أن الأكاديمية عنده ليست برجًا عاجيًا. فالعلم الذي لا يلامس أسئلة الناس يبقى معرفةً معلقة في الهواء، أما المعرفة الحية فهي التي تستطيع أن تنزل من قاعات الجامعة إلى الشارع، ومن صفحات الكتاب إلى تفاصيل الحياة، ومن المفاهيم المجردة إلى أسئلة الإنسان اليومية.
ولذلك فإن الاستفادة من تجربة الدكتور عبد الله حمد الدليمي لا تقف عند حدود ما يمكن أن نتعلمه من كتبه ومؤلفاته، وإنما تمتد إلى ما يمكن أن نتعلمه من طريقته في الحياة، من هدوئه في الحوار، واتساع أفقه في النظر، ودقته في تناول الأفكار، وثراء لغته، وذاكرته الشعرية، وحرصه على احترام المختلف، وقبل ذلك كله تواضعه الذي يمنح العلم قيمته الإنسانية.
إن بعض الأشخاص يتركون في ذاكرتنا معلومة، وبعضهم يتركون موقفًا، وقلةٌ يتركون منهجًا في النظر إلى الحياة. والدكتور عبد الله الدليمي، في تقديري، من هذه القلة، أولئك الذين لا تخرج من مجالسهم كما دخلت، لأنك لا تحمل معك أجوبة جديدة فحسب، بل تحمل أسئلةً أجمل، ونظرةً أعمق، وإحساسًا بأن المعرفة كلما اتسعت آفاقها، ازدادت صاحبها تواضعًا.
وهكذا تبقة مؤانسته أكثر من مجلس علم؛ إنه مساحة للروح والعقل واللغة والشعر معًا، تلتقي فيها خبرة السنين بنضارة السؤال، وتتجاور فيها الحكمة الأكاديمية مع جمال البيان، ويلتقي الشعر العربي الفصيح بذاكرة الشعر النبطي الخليجي، وتتعانق الثقافة مع الصداقة، ويصبح الحوار صورةً من صور الوفاء للمعرفة وللإنسان.
وفي زمنٍ يزداد فيه ضجيج المعرفة كل يوم، تظل قيمة أمثال الدكتور عبد الله حمد الدليمي في أنهم يذكروننا بحقيقة بسيطة وعميقة: ليس أرفع أهل العلم من جمعوا أكثر، وإنما من جعلوا ما جمعوه نورًا يهدي، وأدبًا يُحتذى، وذوقًا يثري، وأثرًا طيبًا يبقى.