✍🏻 Osama Grafy أسامة قرافي
لم أعتاد التناول الجاد لمثل هذه الموضوعات ولا أميل في الأصل إلى الكتابة المنضبطة أو الجادة فلي طريقتي التي احبها واتقنها الوخز السريع غير أن المقال السابق وما دار حوله من مداخلات وتساؤلات قادني أو ألهمني بالتوغل قليلا..
وقبل الدخول في لب الفكرة لا بد التنبيه علي أمرين الاول فانا د الترابي علي المستوي الشخصي يعني لي الاب المربي والاستاذ المعلم والرمز الملهم ومهما يفهم من كلماتي هذه فهي لاتخرج عن نطاق الوفاء له ولفكرته ومدرسته .. والثاني لابد من الوقوف عند ذلك السياج الحصين المضروب حول نقد الدكتور حسن الترابي أو تلك القبة الحديدية التي شُيِّدت طويلا لحمايته فكريا ورمزيا وكان المحبوب عبدالسلام واحدا من أبرز بُناتها.
فالتاريخ لا ينسى مقاله القادح في حق د. جعفر شيخ إدريس (عودة طائر البطريق)، كما تشهد له ليالي الخرطوم وندواتها مع رفقائه د. أمين وحسبين خوجلي والمرحوم محمد طه.
فقد أنفقوا من ذخائرهم الفكرية الكثير منافحين ومدافعين عن دالترابي وأفكاره ومشروعه
طيب الله ثراه
ثم تمضي دورة الأيام ويجد المحبوب نفسه في موقع ناقد العرّاب.
وهنا لم تتعرف (الشفرة ) عليه فكان من الطبيعي أن يتعرض لهجوم عنيف وأنا اوصفه بالجزاء المتأخر أو فلنقل نصيبا من استحقاقه في صناعة تلك الهالة شبه المقدسة حول طيب الذكر د الترابي.
في رأيي المتواضع كما يشير العنوان تقدم المحبوب على الترابي في جانب محدد
النقد الصريح
هل سبق المحبوب د الترابي بخطوة في نقد المشروع الإسلامي؟
نعم في جانب معين
فالمحبوب عبدالسلام مارس نقدا مبكرا علنيا وواضح الحدود للمشروع الإسلامي ولتجربة الحركة الإسلامية السودانية
بينما ظل د الترابي رفع الله ذكره رغم نقده الداخلي محافظا على لغة إصلاحية محسوبة لا تصل إلى مستوى التفكيك الجذري الذي قدمه المحبوب
وليس ذلك لأن الترابي كان غافلا عن النقد أو متجاهلا له بل على العكس كان أكبر من أن يتجاهله غير أن كونه مؤسس المشروع وحامله الرمزي جعله محكوما بإرثٍ ثقيل ومسؤولية مباشرة عن التجربة بحيث إن أي مضي بعيد في النقد كان سيعني بالضرورة إدانة الذات والتاريخ معا لذلك ظل نقده يدور في إطار المراجعة والتصحيح لا التفكيك والإلغاء…..
في المقابل لم يكن المحبوب في الموضع ذاته لم يكن مؤسسا ولا حاملا للرمزية ولا أسيرا لإرث يخشي إنهياره كان بهذا المعنى أصغر من أن يتراجع عن مشواره النقدي أي اقل تقيدا بالحسابات وأكثر حرية في الذهاب بعيدا في الأسئلة دون خوف من أن يرتد النقد على تاريخه الشخصي أو موقعه داخل المشروع …
وفي رأيي عمق الخطوة التي تقدم بها عليه واثرها يكمن في
1/ نقد جذري لا إصلاحي
في كتاباته خاصة الحركة الإسلامية: دائرة الضوء وخيوط الظلام حمل المحبوب المشروع الإسلامي مسؤولية مباشرة عن الاستبداد والانقسام والفساد وتجاوز نقد اخطاء التطبيق إلي نقد الفكرة نفسها ومنهج القيادة وكتب بلغة موثقةوثابتة ومباشرة دون حسابات تنظيمية او عاطفية
بينما ظل نقد د الترابي اعلي الله مقامه في الجنان حتي بعد المفاصلة يتركز
في الانحرافات التنفيذية
ويتكلم بعموميات من قبيل إنحراف السلطان بينما ظلّ نقد الترابي – حتى بعد المفاصلة – ينصرف إلى الانحرافات وفساد الحكم ..
2/لغة محاسبة لا لغة مراجعة
د الترابي رحمه الله كان ينتقد ليصلح
أما المحبوب كان ينتقد ليراجع ويعيد تعريف المشروع من أساسه…
3/ إدخال الترابي نفسه في خانة النقد
وهو أمر نادر في تاريخ الحركة الإسلامية إذ كتب المحبوب بوضوح أن الترابي قائد فذ لكنه ارتكب أخطاء استراتيجية وفكرية وأن بعض مآلات التجربة تعود مباشرة إلى طريقة إدارته للتنظيم والسلطة…
4/ نقد السردية لا نقد القرارات
والسردية أعني بها الإطار الفكري هنا لاسردية اولئك القوم..
دالترابي غشيته شآبيب الرحمة انشغل بنقد الانقلاب والمفاصلة والاستبداد وتغول السلطة بينما إنهمك المحبوب في نقد كيفية تصور الإسلام السياسي للحكم وعلاقة الدين بالسلطة وثقافة الطاعة داخل التنظيم ومفهوم الشرعية ذاته وهو نقد أعمق وأسبق على المستوى الفكري والنظري
وبناءا علي كل ذلك
يمكنني القول بثقة إن دالترابي كان أكبر من أن يتجاهل النقد لكنه لم يصل إلى راديكالية المحبوب وإطلاق مشرطه ليشرح ويبتر….
بينما كان المحبوب أصغر من أن يتراجع فسبق د الترابي بخطوة في الجرأة والوضوح لا في القيمة ولا في المقام بل في الذهاب أبعد مع الأسئلة الصعبة…
اختم بالتأكيد علي عظيم محبتي للدكتور الترابي فنحن بعضا من اثاره واثار تلاميذه
وتقديري الكبير للاستاذ المحبوب عبد السلام ..
ولكل السابقين إختلفنا ام إتفقنا معهم…
الصورة بضاحية ود الترابي ذات عيد اضحي…
