سرديات الدعم السريع وحلفائها

امجد فريد الطيب

منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023، سعت قوى مدنية متحالفة مع ميليشيا الدعم السريع إلى الترويج لسرديات مضللة وإغراق الرأي العام في تفاصيل تاريخية بعضها صحيح وبعضها الاخر غير صحيح ولكن الهدف منها كلها واضح وواحد: التغطية على جرائم الميليشيا المستمرة وتبرير طموحاتها في اختطاف السلطة عبر اغراقها في لجة من التعقيدات التي تصرف النظر عن فاشية المليشيا ومدى اجرامها ووحشيتها. فكل الذي تطرحه هذه التبريرات ليس مرتبطاً بأي شكل من الاشكال بالموقف المبدئي مما يحدث من انتهاكات وجرائم ضد السودانيين الان، وهنا.

لم تقتصر خطورة هذا التماهي على دعم الخطاب السياسي للميليشيا، بل امتدت لتشمل:

– إطالة أمد الحرب والمعاناة المترتبة عليها عبر التزييف المنهجي لطبيعة الصراع والتشويش عليه.

– توفير الغطاء السياسي لجرائم المليشيا من خلال تصوير انتهاكاتها وكأنها جزء من نضال مشروع، وتجريم مقاومتها ومحاولات ايقافها.

شرعنة التدخل الخارجي ولعب دور مخلب القط لمنح القوى الإقليمية، وعلى رأسها الإمارات، تبريرات سياسية لاستمرار تسليح الميليشيا لمواصلة إراقة الدم السوداني، ذلك غير الدفاع الصريح عن الامارات والتي ادانها العالم باسره بالتورط في سفك الدم السوداني.

كل هذا ليس مجرد سوء تقدير سياسي، بل هو ولوغ إجرامي في دماء السودانيين التي تُسفكها المليشيا بالقتل، والنهب، والاغتصاب، والتهجير من الخرطوم والجزيرة، وصولاً إلى كردفان ودارفور، وفي كل مكان وصلت اليه جحافل المليشيا ومرتزقتها. اعادت ارتكاب نفس جرائمها بوتيرة اكبر وعلى نطاق اكثر وحشية، ولكن هذه القوى المتماهية مع الدعم السريع ظلت تتجاهلها، فسردية الاكاذيب التي تروج لها غير معنية بالحقائق.

ترتكز سردية الميليشيا وحلفائها على ادعاء محاربة “الإخوان المسلمين”، وهي حجة تتهاوى أمام الحقائق. فمن هم موجودون على سدة الحكومة الحالية جاءوا في اعقاب ثورة ديسمبر التي أسقطت البشير ووضعته في السجن الذي لا يزال فيه، وهم نفسهم الذين شاركتهم هذه القوى الحكم لأكثر من عامين. فهل اصبحوا اخوان مسلمين بين يوم وليلة، أم أن تحالفهم مع حميدتي هو الختم البراءة من الكوزنة والاسلام السياسي الذي تحتاجه الامارات؟! وهم ايضا الذين تفاوضت معهم هذه القوى في سعيها لتقاسم السلطة تحت مظلة استعادة مسار التحول المدني الديموقراطي بعد انقلاب ٢٠٢١، فهل يا ترى جندتهم الحركة الاسلامية بعد ذلك، ام ان هذا مجرد كرت ابتزاز ومزايدة سياسية لتحسين شروط صفقة الاطاري؟

ويزيد من خطل حججهم استدعاء انقلاب أكتوبر 2021، وهو خطيئة سياسية لا شك فيها، ولكنها خطيئة مشتركة وبشراكة متساوية بين الجيش وميليشيا الدعم السريع، وبإيعاز من ذات الكفيل الإقليمي الاماراتي الذي كان يسعى عبره لتمرير اجنداته السياسية. بل ان مليشيا الدعم السريع كانت التي تولت القسط الأكبر من التمويل والتنفيذ والتخطيط فكيف يمكن تبرئتها منه، والتماهي معها وكفيلها؟ الشاهد ان جرم هذا الانقلاب مشترك، ولا يصلح لاستخدامه في المفاضلة بين الجيش وبين الدعم السريع، ناهيك عن ان المعركة الان ليست عمن يحكم البلاد، بل عن الحقوق الأساسية لشعبها، في الامان، وفي امتلاك قرارهم الوطني بل وحتى في حقوقهم الاساسية في ان يعيشوا في بيوتهم، وهو ما انطلقت ابواق هذه القوى تشكك فيه وتدافع عن احتلال المليشيا لبيوت الناس وتنافح عن بقاءهم فيها، حتى حررها من قبضتهم الجيش!

والمفارقة الكبرى أن صفوف ميليشيا الدعم السريع اليوم هي التي تعج بقيادات نظام البشير والإسلاميين، من حسبو عبدالرحمن نائب البشير ونائب الامين العام للحركة الاسلامية، والي طه عثمان الحسين، مدير مكاتب البشير والذي اختلف معهم في تفاصيل متعلقة بالفساد والاستبداد والعمالة وليس الموقف السياسي او الأيديولوجي، والي عبدالغفار الشريف كادر الامن الطلابي المشهور بوحشيته ومدير الامن السياسي للبشير وحتى الفاتح قرشي الناطق باسم المليشيا والباشا طبيق الذي كان يقود مظاهرات الزحف الاخضر ضد حكومة الثورة، بل وحتى المولفة قلوبهم من الانتهازيين الذين استوزروا في حكومات البشير الاخيرة مثل ابراهيم الميرغني. ولكن هذ الحقائق لا تغير شيئا في بناء سردية المغالطة الايدولوجية التي تروج لها القوى المتماهية مع المليشيا تحت رعاية نظام ابوظبي. فسردية الاكاذيب مبنية على الاكاذيب.

المغالطة الاخرى التي تحاولها هذه القوى المتحالفة مع المليشيا تحت رعاية نظام ابوظبي تحميل الجيش مسؤولية أفعال الميليشيا المتمردة بحجة أنه من أسسها حتى وهو يقاتلها ويسعى لتحييدها.

هذا الادعاء غير انه كذب صريح فيه مغالطة لتاريخ قريب فهو ينطوي على تناقض منطقي فاضح: كيف تظل جهة مسؤولة عن كيان أصبح في حالة حرب معلنة معها؟ الادعاء في سعيه للتشويش على التناول المنطقي للمشهد السوداني يتجاهل القاعدة القانونية الأساسية التي تميّز بين “الإنشاء التاريخي” وبين “السيطرة الفعلية” والمشاركة وقت ارتكاب الفعل غير المشروع.

فمن الناحية القانونية الدولية والجنائية، لا تقوم المسؤولية إلا على أحد معيارين:

السيطرة الفعلية (Effective Control) على الأفعال لحظة وقوعها، أو

العلم والمشاركة أو التحريض أو التواطؤ.

ومن العبث القانوني تحميل أي جهة أفعال كيان متمرّد عليها، ويناصبها العداء علناً ويوجّه سلاحه ضدها، بحجة أنها أنشأته يوماً او كان تاريخياً تابعاً لها. وإلا لَزِمَ أن تظل المانيا مثلاً مسؤولة حتى اليوم عن افعال الجستابو وقوات SS حتى الان، وهو أمر يناقض أبجديات المسؤولية القائمة على الإسناد الفعلي لا على السيرة المؤسسية.

أما التدليس الأكبر في هذه السردية فيكمن في طمس السؤال الأصلي: من أنشأ هذه الميليشيا، ولِماذا؟ إذ لم تنشأ مليشيا الدعم السريع كتطور مؤسسي طبيعي داخل الجيش، بل كانت نتاج هندسة أمنية موازية أقامها عمر البشير لحماية كرسيه. وتشكّلت تحت إشراف مدير مكتبه طه عثمان الحسين (العميل الإماراتي الذي انكشف لاحقاً) كقوة خاصة ذات ولاء مباشر للبشير، خارج منظومة الجيش، وبسلسلة قيادة موازية هدفها موازنة الجيش نفسه ومنع أي تحرك محتمل من داخله. واصطدم بها الجيش مرارا وتكرارا في حوادث موثقة، ولذلك كان يصفها البشير على نطاق واسع بقوات حمايتي، واستُخدمت منذ نشأتها في قمع المدنيين وكان اول ظهورها مجزرة سبتمبر 2013 التي سقط فيها أكثر من مئتي شهيد من المتظاهرين السلميين في أيام لقمع انتفاضة سبتمبر. ثم امتدت يد سطوتها لتعيث فساداً في دارفور وكردفان بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.

وحتى تقنينها الشكلي عام 2017 لم يكن دمجا مؤسسيا، بل تم الابقاء على استقلاليتها تحت الاشراف المباشر للبشير، وتم ذلك بعد توترات علنية انتهت بإقالة رئيسَي لهيئة أركان الجيش (الفريق عماد عدوي وقبله الفريق مصطفى أبو عشر) ووزير الداخلية (الفريق عصمت عبد الرحمن) بعد صداماتهم معها.

والشاهد ان التأسيس السياسي لقوة موازية، ولو عبر تشريع فوقي، لا يمنحها شرعية مؤسسية، خصوصاً ان النظام الذي قام بذلك قد اسقطه الشعب بثورة شعبية عارمة، لم تترك من شرعيته شيئا، لا جهاز تنفيذي ولا سلطة سيادية ولا برلمان. فإذا كانت محاولة إدارة أرثه فهي تعامل مع أمر واقع، فهي لا تعني منحها شرعية، بل محاولة لتفادي كارثة الاصطدام المسلح، والتي وقعت الان بالفعل. ولكن ذلك ايضا لا يعفي قيادة القوات المسلحة الحالية، ولا القوى المدنية التي شاركت في الفترة الانتقالية، من مسؤولية مباشرة وتقصيرية في التغاضي عن خطر هذه الميليشيا والسماح لها بالتمدد.

في الخلاصة: حتى لو افترضنا وجود مسؤوليات تاريخية في هندسة هذا الوضع المختل، فإن ذلك لا يبرر لأحد اليوم التماهي مع الميليشيا أو تبني خطابها أو التستر على جرائمها الراهنة. المسؤولية تُقاس بالوقائع الآنية، والسيطرة الفعلية، والإسناد القانوني، لا بالسرديات الدعائية ولا بالتعميمات المضللة. كل خلط متعمَّد بين هذه المستويات ليس تحليلاً، بل محاولة رخيصة لإعادة توزيع الجرائم وطمس الفاعل الحقيقي.

الخلاصة هي ان الموقف الوطني ينبني على اجابة سوال من الذي يرتكب الجرائم الآن؟ وأي نقاش وطني جاد اليوم لا ينطلق من سؤال من أخطأ أولاً؟ بل من سؤال “من يرتكب الجرائم الآن؟ ومن يدعمه؟”.

المعركة الحالية ليست بين أيديولوجيات، بل هي مواجهة وجودية بين منطق الدولة بمؤسساتها، ومنطق الغزو المليشياوي الذي يستهدف تفتيت النسيج الاجتماعي ونهب المقدرات الوطنية. كل محاولة لغسل جرائم الميليشيا وتبريرها بشيطنة الخصوم هي تواطؤ أخلاقي مكتمل الأركان. والتاريخ لن يغفر لمن اختار أن يكون صدىً لبندقية القتل، أو وفر الغطاء السياسي للرصاصة التي تخترق صدور السودانيين.

Exit mobile version