فن المسرح كفعل نقدي سبيلاً للمقاومة والكرامة

الدكتور فضل الله أحمد عبد الله

العنوان أعلاه يحيلنا – بالطبع – إلى مسألة (الفن بين الشكل والمضمون) .. ويتعالى السؤال الكبير بثنائية صيغته المبدعة : ما علاقة الشكل بالمضمون، وعلاقة الفن بالحياة؟

تمذهب الدارسون النقاد في مذهبين :

مذهب أخذ بالقول على استقلالية الشكل الفني عن المضمون العقائدي، وبالتالي عن الحياة.

أما أصحاب المذهب الآخر، ذهبوا بالقول إلى تأكيد أهمية شعار الفن للحياة، ومبدأ الالتزام بقضية ما سواء في عملية الإبداع لدى المبدع أو عملية التقييم لدى المتلقي، بغض النظر عن أية اعتبارات فنية شكلية.

بيد أن الموضوعية تقول – حسب نهاد صليحة – أنه لا يمكن أن يوجد فن في انفصال عن الحياة أو حياة إنسانية دون فن .

ان منبع الفن وأساسه هو نزعة الإنسان إلى تمثيل تجربته الحياتية، واستنباط مفهومها ودلالاتها القيمية، وتثبيت هذا الاستنباط وتوصيله إلى آخرين عن طريق استعادة التجربة استعادة حركية كما يحدث في مجال الإبداع الدرامي، أو خيالية كما يحدث في الإبداع الأدبي بكل ضروبه، أو تشكيلة كما يحدث في فنون التصوير والنحت.

ومن استدركات نهاد صليحة الباهرة في الأمر نفسه قولها : وتتم استعادة التجربة وصياغتها حركيا أو تشكيليا أو أدبيا على بعد زمني كاف يكفل قدرا من الموضوعية الشعورية والعقلانية بحيث يصبح الفرد في آن واحد عنصرا من عناصر التجربة ومشاهدا على نفسه عن بعد، ومن حيث تحقق الاستعادة مفارقة هي من صميم وجود الإنسان من حيث كونه المخلوق الوحيد القادر على أن يكون فاعلا ومفعولا به في آن واحد – أن يفعل ويتأمل فعله – وهي مفارقة وجود الإنسان داخل التجربة وخارجها في آن واحد.

وعلى ثنايا ذلك المعنى للفن وأدواره المطلوبة، نبحث عن مساحات لتموضع فنون المسرح السوداني ( أدبا كتابيا وفن عرض ) وتطبيقاته العملية على أرض الواقع وامكانية الانغماس في مشهديات معارك حرب الكرامة السودانية، أن نضع إبداعنا المسرحي في دائرة مفهوم ( الإبداع المقاوم ) .. وكيف يكون الإبداع مقاوما ؟

وهل ثمة وشيجة مباشرة بين النقد والمقاومة، ولو اتخذ المبدع من ابداعه أداة للمقاومة هل سيحتفظ منتجه بجوهره الابداعي أم سيتحول إلى مجرد خطاب مباشر غير مؤثر ؟

إذ لا حياة إنسانية بلا انتماء .. ولا استقلالية للحياة عن المعتقد ولا يمكن للحياة أن تتعالى عليها.
فالفن مهمته تحرير الحياة من كل القوى الميتافيزيقية التي دفعت الفن للانعزال عن الواقع والانغماس في التجرد والتعالي.

وعلى ذلك المعنى أوجد ” نيتشه ” منظوراته الناقدة للاتجاهات الجمالية التي عزلت الفن عن الحياة.

الفن انفتاح على حياة الناس وافكارهم وتصوراتهم، كما هو ليس غاية في ذاته وليس محايدا، فهو موقف له رؤيته الكلية.

إن تخلى الفن عن مطلب الحقيقة يجعل منه فنا ) مستقيلا ) وليس فنا ( مستقلا )، إذ يفقد صلاحيته، وتضيع قوته النقدية ويصير من باب لا يغير وجوده أو عدمه شيئا. فما جدوى الفن إذا بقي منزويا في الدائرة الاستطيقية لا يتدخل في تغيير ما حوله ؟

وذلك ما يرفضه ” أدورنو ” ومدرسة فرانكفورت. فما جدوى الفن إذا جرد من مطلب الحقيقة واختزل إلى ما يشبه السذاجة اللاعقلانية ؟

وفقا لذلك يمكن القول بأن الفن لا يدور في مدارات الجمال والجمالية المتعارف عليها فحسب، بل في جوهره نشاط موضوعي أكثر منه نشاطا خاصا بالفنان وحده.

كما أن الموضوعي عند الفنان هو الجديد في إثبات للحياة وتبجيل لها واحتفال بها .. الفن مغايرة للمألوف والقديم

هو إثبات مفارقات الحياة وتناقضاتها وتحويلها إلى ظاهرة فنية وجمالية خليقة بأن تعاش.

الفن ليس هروبا من الوجود وانعزالا عن الحياة، إنه خلاص أرضي بإثباته لقوة الحياة.

فالأزمات والمنعطفات والرزايا التي تمر بها المجتمعات، أو لحظات الضعف والإنهيار التي تمر بها الأمم بشكل عام، هي أخطر الأوقات التي تضع المبدعين في دائرة الإمتحان العملي، تستجلي أهميته للإنسان ( فهل هو زخارف إجتماعية أم ضرورة حياتية ).

وبناءا على ذلك المعنى الكلي للإبداع، يتساءل أغلب أهل الإنتماء الوطني الآن، عن ( الإبداع المقاوم )، أين تطبيقاته العملية وموقفه من أحداث معارك حرب الكرامة.

فالآداب والفنون هي فعل مقاومة أو هكذا عرفت منذ نشأتها الأولى، تصور صراع الإنسان مع الظروف الكائنة بكل تجلياتها سواء متخيلة أو واقعية.

وهكذا وجدنا حقيقية المسرح السوداني في ظاهريته ( نص، عرض، جمهور ) وعلى خلفية النشأة والتطور في السودان منذ أول الإشارات المسرحية الممارسة سواء أكانت في العام 1880م أو 1890م أو 1903م وهي سنوات العمر التي قضاها المسرح الحديث في السودان وهو يعمل مقاوما على تأكيد الشخصية أو الشخصية الثقافية وتأسيس مقولاته النظرية والتطبيقية.

واستطاع أن يبرز تجاربا إبداعية ومنجزا فنيا يستوجب النقد والكشف عن المستور في بنيته وخصوصيته، بوصفه شكلا فنيا ناهضا على جملة من العناصر منذ أول نص مسرحي سوداني، لحما ودما وهو ( مصرع تاجوج والمحلق ) للشاعر المسرحي خالد ابو الروس والذي أشرت إليه بالتحليل في كتابي : ( المسرح السوداني مقاربات الأنا والآخر ) ..

إذ، لم يكن صدفة أن يدفع نصه المسرحي الأول وما تلاه من تجارب مسرحية إلى استنباط أشكال محلية من التراث الشعبي السوداني ليؤكد بها مواجهة داخلية واعية أو غير واعية، تعمل على تأسيس خطاب مسرحي يدير السياسية الثقافية المرتبطة بوجدان الجماعة.

وإذ كان ذلك بمثابة أول نص مسرحي سوداني، استجابة لدعوة الناقدين عرفات محمد عبدالله ومحمد عشري الصديق للاتجاه سوداني أصيل فى الوقت الذي كان المسرح يقدم الروايات الإجنبية مثل ( تاجر البندقية ) و ( الفارس الأسود ) ..

وتجدر الإشارة إلى أن الناقد حمزة الملك طمبل هو أول دعاة الأصالة السودانية في الأبداع سبيلا لمقاومة الآخر الثقافي الدخيل، كاشفا للحركة النقدية السودانية الطريق بضرورة دعم الروح الوطنية والتأكيد على الشخصية الثقافية السودانية، ونهضة التعليم والوعي بالمصير ونمو الشعور بأهمية الإنتماء الوطني، وأن يكون الإبداع بكل أشكاله داعما للمقاومة، ومما لا ريب فيه، أن النقد إحدى تجليات العملية الإبداعية، فثمة ثلاثة أبعاد في أدب وفنون المقاومة، أهمها البعد الاجتماعي، بالإضافة إلى البعدين الإنساني والقومي، وبغير الارتكاز على تلك الأبعاد، لن تكون الأعمال سوى هتاف أو تقرير مباشر لا يمس الوجدان ولا يراعي البعد الإنساني، ويصبح مجرد أدب مناسبات تنتهي صلاحيته بانتهاء المناسبه.

غير أن خالد ابو الروس قدم نموذجا للإبداع المقاوم بوعي مبكر من خلال تعامله مع التراث ( مصرع تاجوج والمحلق ) كما انجز في ذات الاتجاه مسرحية ( خراب سوبا ) في أواخر عام 1933م مستلهما مادتها مباشرة من التاريخ حيث ترجع حوادثها إلى القرن السادس عشر الميلادي عندما اتحد العرب والفونج على حرب النوبة، وخراب العاصمة سوبا.

وأضاف على ذات الصعيد في اتجاه الأصالة سبيلا لمقاومة الدخيل الشاعر إبراهيم العبادي بإبداعيته المسرحية ( المك نمر ) عام 1934م

ومن ثم يأتي باتجاه أدب المقاومة الشاعر المسرحي إبراهيم العبادي، وتأتي أهميته في ترتيبه بعد خالد أبو الروس، كاتبا في 1934م نص مسرحية ( المك نمر ) والتي استعار موضوعها من حادثة تاريخية، لتكون تعبير حيا عن ضمير الزمان وحيوية المكان ولعل أهمية هذا التراتب ( خالد ابو الروس وإبراهيم العبادي ) لا في الزمان والمكان فحسب بل في كون ابو الروس كتب مسرحيته ( مصرع تاجوج تاجوج والمحلق ) دون ذاكرة لحرفية الكتابة المسرحية. ومن ثم ثم يأتي إبراهيم العبادي ولم تتفتح عيناه على تراث مسرحي عدا ( نكتوت ) .. إلا أنه وبنص مسرحيته ( المك نمر ) استطاع أن يمزج المأثور الشعبي بالثقافة الوافدة مأثرة له، استجابة لتجليات البحث عن روح السوداني في المنجز الفني والتأكيد على الهوية والانتماء الوطني في مواجهة الاستعمار ودعما للمقاومة الوطنية.

فمن خلال قراءة تاريخ المسرح السوداني تبرز أهمية إبراهيم العبادي في توازيه أو تراتبه مع خالد ابو الروس في عملية الإسهام لخلق إبداع مسرحي ذو وشيجة بحركة المقاومة الوطنية وقتذاك، إبان جيل الثلاثينيات، جيل الإجراءات التتعسفية التي قام بها البريطانيون بعد أحداث 1934، وكان نتاجا طبيعيا بل طورا من أطوار تلك المفاهيم التي سعت إلى إثارة مفاهيم الذات السودانية بحثا عن استقلاليته.
وذلك في تقديري ليس نموذجا للإبداع المقاوم، فحسب، بل ذلك بمثابة عقل نقدي للمجتمع سبيلا للمقاومة.

فالإيمان هو جوهر المقاومة في المنتج الفني الإبداعي، وهكذا كان رواد المسرح السوداني إيمان عميق بالسودان وحضارته وبعده التاريخي .. وهذا ما نجده حقا في نص مسرحية المك نمر ( فكرة ومغذي ) التاريخ لتكون تعبيرا صادقا عن المكان والزمان وحياة الكتلة الإجتماعية، فالمسرحية مستودع شاسع المساحات للتعبير عن قيم الإنتماء الوطني.

ويبقى خالد ابو الروس وإبراهيم العبادي المثال الحي لما انتجته أدبيات الطبقة المتعلمة في منتصف العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، ذلك الجيل الذي حمل أعباء المرحلة الجنينية لقضية الذات السودانية في صياغة ومرجعية الحوارات حول مفهوم المسألة السودانية بتياراته المتعددة في اتجاه بلورة معنى السودان ووجوده مستقلا أرضا وشعبا.

خالد ابو الروس وإبراهيم العبادي وآخرين من جيلهما كتبوا أدبا مقاوما، لأنهم كانوا يدعمون معاني الإنتماء الوطني.

وإذا انتقلنا من ذلك التاريخ البعيد إلى مشهديات واقعنا الآن، والسودان يخوض حرب معارك الكرامة، يمكن القول بأن الآداب والفنون قد دخلت إمتحانا، وأخشى ما أخشاه السقوط المدوي.

نحن في آواخر العام الثالث من معارك حرب الكرامة، ودوائر الإنتاج الفني تكاد تخلو من عمل يطوي في محتواه مواقفا وطنية صاعقة الإحساس تجاه بطولات القوات المسلحة، وملاحمها الأسطورية.

( الوثائقيات ) هي مستودع للذاكرة الوقائع اليومية
لا تنتسب إلى الآداب والفنون وإن كانت هي مرجعيات ومصادر للاستلهام الآدباء والفنانين.

في هذه اللحظة التاريخية نحتاج إلى انجاز يلامس سقف الفن لا السرد، ولا الهتافات الخاوية من المعنى.

ما المشكلة إذا اتخذ المسرحيون الإبداع المسرحي سبيلا للمقاومة أو دعم الاتجاه الوطني؟

أقول ذلك وأنا اكتب اقراري واعترافي أولا، أن وقائع معارك الحروب في منظورات المسرحيين خاصة تحتاج إلى زمن للتأمل ومن ثم تقديمها فنيا، وإلا سنكون أمام رصد وتسجيل لأحداث عاشها المشاهد.

إلا أنني أجد أن مرور ثلاثة أعوام من بداية حرب الكرامة، تكفي لأن تتعالى أصواتنا بحثا عن دور الأدب وفن العرض المسرحي في مشهديات واقعنا السوداني كفعل نقدي سبيلا للمقاومة والكرامة.

Exit mobile version