النخب السودانية وسؤال المسؤولية التاريخية في زمن الانكسار .
Mazin
كتبت : الدكتورة علوية علي حسين.
– لا يمرّ السودان بمجرد أزمة عابرة أو حرب يمكن احتواؤها بتسوية مؤقتة، بل يعيش لحظة انكسار وطني عميق، تتقاطع فيها أزمة الدولة مع فشل السياسة وتآكل الثقة بين المجتمع ونخبه. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال الأساسي عن موازين القوة، بل عن غياب الرؤية، ومن يتحمل مسؤولية هذا الغياب. – تقليدياً، اضطلعت النخب السياسية والفكرية بدور الوسيط بين المجتمع والدولة، وكانت مطالبة بإنتاج الأفكار وصياغة المشاريع الوطنية القادرة على إدارة التنوع وحماية وحدة البلاد. غير أن الواقع الراهن يكشف تحوّلاً مقلقاً في هذا الدور، حيث انكفأت النخب – في كثير من الأحيان – على خلافاتها، أو انساقت وراء استقطابات حادة، أفقدتها القدرة على التأثير، وأضعفت ثقة المواطن في جدوى العمل المدني والسياسي. – المشكلة الجوهرية لا تكمن فقط في استمرار الحرب، بل في غياب مشروع وطني جامع ظل مؤجلاً لعقود، وتراكمت حوله إخفاقات متتالية في إدارة الحكم وبناء الدولة. هذا الغياب جعل السياسة تبدو في نظر المواطن صراعاً معزولاً عن واقعه اليومي، بينما هو في الحقيقة يدفع الثمن الأكبر من أمنه ولقمة عيشه ومستقبل أبنائه. والمواطن السوداني اليوم، وهو يواجه الخوف والنزوح وانهيار الخدمات، لا ينتظر من النخب خطابات نخبوية معقدة ولا بيانات عامة لا تُترجم إلى مواقف. ما يحتاجه ببساطة هو أن يشعر بأن هناك من يفهم ألمه، ويضع معاناته في صلب التفكير السياسي، ويطمئنه بأن ما يعيشه ليس قدراً محتوماً ولا شأناً هامشياً في حسابات السلطة. ولا يقل خطورة عن ذلك شعور المواطن بأن النخب باتت بعيدة عن واقعه اليومي، عاجزة عن ملامسة قضاياه المباشرة في الأمن والمعيشة والكرامة. إن استمرار هذا التباعد يهدد بما هو أخطر من الأزمة السياسية نفسها، وهو فقدان الثقة الكامل في أي دور مدني أو سياسي، مما يفتح الباب أمام اليأس أو الارتهان لقوى الخلافات ، ومن هنا، تتجلى أهمية إعادة النخب لارتباطها المباشر بالمواطن، لتستعيد السياسة معناها الحقيقي: خدمة الناس وصون كرامتهم.
– كإطار فكري عام وليس موقفاً رسمياً، قد يكون من المفيد للأحزاب السياسية وقوى المجتمع المدني التفكير في إطلاق مبادرات فكرية مشتركة تهدف إلى: – فتح حوار صادق حول أسس الدولة ووحدتها وأولويات السلام والعدالة. – ربط التحليل السياسي بالهموم اليومية للمواطن، بحيث يشعر بأن صوته ومعاناته جزء أصيل من أي مشروع وطني. – تأسيس حد أدنى وطني جامع يرفض العنف ويعطي العمل المدني معنى وفاعلية، مع التركيز على الشراكة وليس على المصالح الفردية أو الحزبية الضيقة. – هذا الطرح لا يتعلق بحزب أو جهة محددة، بل يمثل إطاراً عملياً فكرياً وعلمياً يمكن لأي قوى سياسية ومدنية تبنيه باعتباره خطوة عقلانية ومسؤولة نحو استعادة الثقة وربط السياسة بالفعل الاجتماعي الحقيقي. – إن أخطر ما يواجه السودان اليوم هو الفراغ المدني الناتج عن تراجع دور النخب عن ملامسة قضايا الناس، وهو فراغ يفتح المجال لليأس، ولتغوّل قوى الخلافات ، ولتآكل ما تبقى من الثقة في السياسة كأداة للتغيير السلمي. ومع كل يوم يمر دون خطاب صادق وموقف واضح، تتسع الهوة بين المجتمع ونخبه. استعادة هذا الدور لا تبدأ الا من خلال البدء بالمراجعة الصريحة للتجارب السابقة، وبإعادة ربط الفكر بالفعل، والسياسة بالناس. فالسودان لا يعاني من نقص في الكفاءات أو الوعي، بقدر ما يعاني من غياب الإحساس المشترك بالمسؤولية في لحظة تتطلب شجاعة القول والفعل معاً. وفي زمن الانكسار، تبقى أمام النخب فرصة حقيقية لاستعادة ثقة المواطن، عبر حضور فعلي في قضاياه، وخطاب يطمئنه بأن الوطن لم يُختطف نهائياً، وأن السياسة ما زالت قادرة على أن تكون أداة أمل لا سبب خذلان. وإما أن ترتقي النخب إلى هذا الدور، أو تترك فراغاً لن يملأه إلا العنف والفوضى، وحينها لن يكون حكم التاريخ رحيماً.ش