غابة السنط.. ذاكرة الخرطوم الخضراء التي قتلها الغدر

بقلم /ناصر فراج
لطالما مثّلت الأشجار رئة المدن، ونبض الحياة في شرايينها، فكيف إذا فقدت المدينة رئتها الوحيدة، وحزامها الأخضر الواقي؟ هكذا تعيش الخرطوم اليوم، عروس النيل التي خطف منها الحرب جمالها، واغتال غدرُ الإنسان إرثَها الطبيعي. لقد تجاوز الدمار الإنسان والحجر ليصل إلى الجذور، إلى تلك الغابة التي كانت تمثل ذاكرة جماعية لأجيال، ودرعاً واقياً ضد تقلبات الطبيعة.
غابة السنط ليست مجرد أشجارٍ نصبت في الأرض، بل هي حكاية بدأت عام 1939، حين أنشئت محمية طبيعية للطيور، وحصناً أمامياً ضد الفيضانات، ومستقراً مؤقتاً للطيور المهاجرة عبر القارات. كانت -وما تزال في ذاكرة من عرفوها- فسحة أمل، ومرتعَ صباءٍ، وملتقى ثقافياً تتبارى فيه الأسر، وتتلاقح فيه أبناء الأحياء عبر رحلات مدرسية واجتماعية طبعت في قلوبهم ذكرياتٍ لا تُمحى.
لكن الحرب الكريهة التي فُرضت على السودان لم تكتفِ بزعزعة الإنسان، بل امتدت عبثها لاقتلاع الجذور. فتحت حجج واهية مثل ندرة الموارد، جرى التعدي على هذا الحزام الأخضر بتدمير متعمدٍ وجهلٍ فاضح. إنها جريمة ضد الحياة نفسها، ضد تاريخ مدينة، وضد مستقبلها. جريمة لا تقل فظاعة عن غيرها، فهي إبادة للحياة بكل أشكالها: الإنسان، الحيوان، والنبات.
برغم قسوة الجريمة، فإن الحياة تدبّ من جديد. فكما أن الحرب لن تُوقف دورة الوجود، لن تتوقف إرادة الخرطوميين في إحياء رئتهم المفقودة. يجب أن تكون هناك خطة عاجلة لزراعة المساحة من جديد، وليس صعباً جلب أشجار سنط من مواقع أخرى لتُزرع في هذه الواحة المهشمة. ولكن يجب أن تظل هذه الأرض ملكاً للحياة، لا تُباع ولا تُوزع ولا تُحول لأغراض أخرى، وأن تَحميها الدولة لا أن تحتكرها.
ولعل في تجارب دول العالم التي أعادت إحياء غاباتها بعد حروب وكوارث، خارطة طريق يمكن انتهاجها. فالخرطوم، التي يظهر من الجو جسدها الجريح والخالي من اخضرارها، بحاجة ماسة إلى حملة تشجير تعيد للشوارع والأحياء ظلال الأشجار وبهاء الثمار.
إن إعادة الاخضرار إلى عروس النيل ليس ترفاً، بل ضرورة حياة، وواجب أخلاقي تجاه الأجيال القادمة. فلننظر إلى غابة السنط كرمزٍ لإرادة الحياة، ونعمل معاً كي تعود الخرطوم تتنفس من جديد، وتسترجع ثوبها الأخضر الذي خطفه الغدر، ولو بعد حين. فما دامت البذور موجودة، والإصرار حياً، فالأمل باقٍ بأن ترفرف الطيور مرة أخرى فوق غابة السنط، وتعود الذكريات الجميلة لتحلق في سماء الخرطوم.



