عودة صندوق ضمان الودائع إلى الخرطوم.. هل تبدأ مرحلة جديدة في إصلاح القطاع المصرفي السوداني؟
Mazin
د. مروة فؤاد قباني
تشكل عودة صندوق ضمان الودائع المصرفية إلى مباشرة أعماله من مقره بالخرطوم تطورًا يتجاوز في دلالاته إعادة افتتاح مؤسسة حكومية بعد الحرب، ليعكس انتقال بنك السودان المركزي إلى مرحلة أكثر تقدماً في تنفيذ برنامج إصلاح القطاع المصرفي واستعادة مؤسسات الاستقرار المالي.
ففي النظم المصرفية الحديثة، لا يقاس استقرار القطاع المالي بعدد المصارف أو حجم أصولها فقط، وإنما بمدى قوة ما يعرف بـ”شبكة الأمان المالي” (Financial Safety Net)، والتي تضم البنك المركزي، والرقابة المصرفية، والمقرض الأخير، وصندوق ضمان الودائع، وآليات تسوية أوضاع المصارف المتعثرة. وكلما كانت هذه المنظومة متكاملة، ازدادت قدرة الدولة على احتواء الأزمات وحماية الاقتصاد من الانهيارات المالية.
ومن هذا المنطلق، فإن عودة الصندوق تمثل استكمالاً لأحد أهم مكونات البنية المؤسسية التي يحتاجها السودان في مرحلة التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، خاصة بعد أن تعرض القطاع المصرفي لخسائر كبيرة نتيجة الحرب، شملت تدمير عدد من الفروع، وتعطل الأنظمة التشغيلية، وانخفاض حجم الودائع، وارتفاع الاعتماد على التداول النقدي خارج الجهاز المصرفي.
من التعويض إلى الوقاية من الأزمات:
التصريحات التي صاحبت تدشين عودة الصندوق كشفت عن تحول استراتيجي في فلسفة عمله، من مجرد مؤسسة تتولى تعويض المودعين بعد تعثر أحد المصارف، إلى مؤسسة تشارك في الوقاية من الأزمات المصرفية قبل وقوعها.
ويأتي مشروع تعديل قانون صندوق ضمان الودائع لسنة 2026 ليمنح الصندوق صلاحيات أوسع في تبادل المعلومات مع الجهات الرقابية، والمشاركة في خطط التعافي وتسوية أوضاع المصارف، بما يتوافق مع المبادئ الدولية التي وضعتها الجمعية الدولية لضامني الودائع (IADI) وتجارب الدول التي طورت أنظمة الإنذار المبكر وإدارة الأزمات المالية.
وهذا التحول يمثل نقلة نوعية، لأن تكلفة منع الأزمة تظل أقل بكثير من تكلفة معالجتها بعد وقوعها.
إصلاح مصرفي شامل وليس إعادة تشغيل:
الرسائل التي حملتها محافظ بنك السودان المركزي تؤكد أن البنك لا ينظر إلى إعادة افتتاح المؤسسات باعتبارها نهاية مرحلة الحرب، وإنما بداية لإصلاح هيكلي طويل المدى.
ويبدو أن البرنامج الإصلاحي الذي يتبناه البنك المركزي يرتكز على عدة محاور متوازية، تشمل:
• إعادة تأهيل البنية التحتية للمصارف والمؤسسات المالية.
• رفع رؤوس أموال المصارف بما يتناسب مع حجم المخاطر الجديدة.
• تشجيع عمليات الدمج بين المصارف الصغيرة لتكوين مؤسسات مالية أكثر قدرة على المنافسة وتحمل الصدمات.
• تطوير الحوكمة وإدارة المخاطر والرقابة الداخلية.
• تحديث الإطار التشريعي والرقابي ليتوافق مع المعايير الدولية.
وهذه المحاور تمثل في مجموعها برنامجًا لإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وليس مجرد إعادة تشغيله.
الثقة… رأس المال الحقيقي للمصارف:
تعتمد الصناعة المصرفية على عنصر قد يفوق رأس المال أهمية، وهو الثقة.
فالمودع لا يضع أمواله في البنك لأنه يحتاج إلى مكان لحفظها فقط، بل لأنه يثق في قدرة البنك على ردها عند الطلب.
وعندما تتراجع هذه الثقة، تتراجع الودائع، وتنخفض قدرة المصارف على التمويل، وتتوسع ظاهرة الاكتناز، ويزداد الاعتماد على النقد خارج الجهاز المصرفي.
لذلك فإن وجود صندوق ضمان ودائع قوي وفاعل يعد أحد أهم الأدوات الاقتصادية لاستعادة الثقة، لأنه يقلل من مخاوف المودعين، ويعزز استقرار التمويل، ويخفض احتمالات حدوث حالات الهلع المصرفي.
علاقة مباشرة بالتحول الرقمي:
قد يبدو صندوق ضمان الودائع بعيدًا عن ملف التحول الرقمي، لكن الواقع يشير إلى وجود علاقة وثيقة بينهما.
فنجاح تطبيقات الدفع الإلكتروني، والمحافظ الرقمية، والمحول القومي للمدفوعات، ونقاط البيع، والخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول، يعتمد في الأساس على ثقة العملاء في النظام المصرفي.
ولا يمكن بناء اقتصاد رقمي يعتمد على الحسابات المصرفية إذا كان المواطن لا يطمئن إلى سلامة أمواله داخل البنوك.
ومن هنا تصبح حماية الودائع جزءًا من البنية التحتية للتحول الرقمي، وليست مجرد آلية لتعويض الخسائر.
دعم إعادة الإعمار:
خلال مرحلة إعادة الإعمار سيحتاج السودان إلى تعبئة موارد مالية ضخمة لتمويل مشروعات البنية التحتية والإنتاج والخدمات.
ولا تستطيع المصارف القيام بهذا الدور دون قاعدة قوية من الودائع.
ولهذا فإن تعزيز الثقة في الجهاز المصرفي سيؤدي إلى عودة جانب كبير من السيولة المتداولة خارج النظام المالي إلى المصارف، وهو ما يزيد من قدرتها على تمويل الاستثمار والإنتاج، ويخفف الضغوط على التمويل الحكومي.
رسالة للأسواق والمؤسسات الدولية:
تحمل عودة الصندوق أيضًا رسالة مهمة إلى المؤسسات المالية الإقليمية والدولية بأن السودان بدأ إعادة بناء مؤسساته المالية وفق معايير حديثة، وأن الإصلاح لم يعد يقتصر على الجوانب التشغيلية، بل يشمل تحديث القوانين، وتعزيز الحوكمة، وتطوير أدوات إدارة المخاطر.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في ظل سعي السودان إلى استعادة علاقاته المصرفية الخارجية، وتوسيع شبكة البنوك المراسلة، وجذب التمويل والاستثمار الأجنبي.
التحديات المقبلة:
ورغم أهمية هذه الخطوة، فإن نجاحها سيظل مرهونًا باستكمال منظومة الإصلاح، وفي مقدمتها:
• إجازة قانون صندوق ضمان الودائع بصيغته الجديدة.
• تعزيز استقلالية الصندوق ورفع كفاءته المؤسسية.
• استكمال إعادة رسملة المصارف وفق المتطلبات الجديدة.
• تشجيع عمليات الدمج لتكوين مصارف أكثر قوة.
• الإسراع في استكمال مشروع المحول القومي للمدفوعات وتوسيع مشاركة شركات التقنية المالية المرخصة في تشغيل محولات مالية خاصة ترتبط بالمحول القومي، بما يعزز المنافسة والابتكار ويزيد كفاءة خدمات الدفع.
• توسيع استخدام الخدمات المصرفية الرقمية ونقاط البيع والوكالة المصرفية لتقليل الاعتماد على النقد.
• إعادة بناء علاقات المراسلة المصرفية والانفتاح التدريجي على النظام المالي العالمي.
ختامًا:
إن عودة صندوق ضمان الودائع ليست حدثًا إداريًا، بل تمثل مؤشرًا على أن بنك السودان المركزي بدأ الانتقال من إدارة تداعيات الحرب إلى بناء قطاع مصرفي حديث قادر على دعم التعافي الاقتصادي.
وإذا نجح البنك المركزي في استكمال إصلاحات رأس المال، ودمج المصارف، وتحديث الإطار التشريعي، وتعزيز دور صندوق ضمان الودائع، وتسريع التحول الرقمي، فإن السودان سيكون أمام فرصة تاريخية لإعادة تشكيل قطاعه المصرفي على أسس أكثر كفاءة ومرونة، بحيث يصبح القطاع المالي ركيزة رئيسية لتمويل إعادة الإعمار، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي في السنوات المقبلة.