عودة النظام القومي للمدفوعات الإلكترونية… خطوة تعافٍ أم اختبار حقيقي لاستدامة التحول الرقمي في السودان
Mazin
د. مروة فؤاد قباني
بعد قرابة ثلاثه أعوام من التوقف منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023م، أعلن بنك السودان المركزي عن عودة تشغيل النظام القومي للمدفوعات الإلكترونية (المحول القومي للقيود)، في خطوة من شأنها إعادة تفعيل التحويلات المصرفية بين البنوك، واستئناف خدمات الدفع عبر التطبيقات المصرفية، ونقاط البيع، والصرافات الآلية.
وتأتي هذه العودة في وقت يشهد فيه الاقتصاد السوداني تحديات غير مسبوقة، بعد أن تسبب توقف النظام في شلل واسع للقطاع المصرفي، وتعطل المعاملات اليومية للمواطنين، وعودة الإعتماد على النقد، بما يحمله من مخاطر وتكاليف إقتصادية وأمنية. إنجاز تقني في ظروف استثنائية:
لا يمكن التقليل من أهمية استعادة الأنظمة القومية في ظل ظروف الحرب وتعقيدات البنية التحتية، إذ يعكس ذلك مجهودًا كبيرًا للكوادر الوطنية وقدرتها على العمل تحت الضغط. غير أن هذا الإنجاز، على أهميته، يطرح سؤالًا جوهريًا:
هل نحن أمام عودة تشغيل مؤقتة، أم بداية إصلاح جذري لمنظومة الدفع الإلكتروني في السودان؟
لقد أظهرت الأزمة هشاشة البنية الرقمية وإعتمادها المفرط على مركزية الأنظمة، دون وجود خطط واضحة لدرء الكوارث واستمرارية الأعمال. فتوقف محول واحد كان كافيًا لتعطيل منظومة مالية بأكملها، وهو درس لا يمكن تجاوزه إذا ما أُريد بناء قطاع مصرفي قادر على الصمود مستقبلًا.
كما كشفت الأزمة عن تحديات عميقة داخل المصارف التجارية نفسها، حيث لا تزال بعض البنوك تعتمد على أنظمة مصرفية قديمة تواجه صعوبات كبيرة في التحديث والتكامل مع الأنظمة القومية الجديدة، ما يستهلك وقتًا وتكلفة عالية ويحد من قدرتها على الابتكار وتقديم خدمات رقمية متطورة للعملاء.
الاستدامة الرقمية ما بعد إعادة التشغيل:
المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من منطق “إعادة الخدمة” إلى منطق الاستدامة الرقمية، عبر بناء بنية تحتية مرنة، تعتمد على خيارات بديلة مثل مراكز البيانات السحابية والهجينة، مع تعزيز منظومات الأمن السيبراني وحوكمة البيانات، بما يضمن استمرارية الخدمات حتى في أسوأ السيناريوهات.
كما أن تطوير منظومة الدفع الإلكتروني يجب أن يسير بالتوازي مع مشروع الهوية الرقمية والمصادقة الإلكترونية، وتوحيد المنصات الحكومية، بما يعزز الشمول المالي ويقلل الاعتماد على النقد، ويدعم كفاءة تقديم الخدمات العامة.
دور الدولة والتنظيم المؤسسي:
تمثل خطة الدولة للتحول الرقمي عبر وزارة التحول الرقمي وحوسبة المؤسسات والهيئات فرصة حقيقية لإعادة بناء المنظومة الرقمية على أسس سليمة. كما أن وجود هيئات متخصصة في الذكاء الاصطناعي، والبيانات، والأمن السيبراني يشكل إضافة نوعية إذا ما تم توظيفها ضمن رؤية وطنية موحدة تخدم مشروع التحول الرقمي في السودان.
وفي المقابل، يصبح لزامًا على البنك المركزي وضع سياسات واضحة تُلزم المصارف بتحديث أنظمتها المصرفية وفق معايير تقنية موحدة، تضمن سرعة التكامل والجاهزية لمتطلبات المرحلة المقبلة، التي ستشهد تحولًا رقميًا واسع النطاق في مختلف القطاعات.
بين الفرصة والتحدي:
إن عودة النظام القومي للمدفوعات الإلكترونية تمثل فرصة نادرة لتحويل الأزمة إلى نقطة انطلاق نحو إصلاح شامل. فنجاح التجربة لا يقاس بعودة الخدمة فحسب، بل بقدرة الدولة والمؤسسات المصرفية على بناء منظومة رقمية مستدامة، يقودها تخطيط إستراتيجي، وتدعمها كفاءات وطنية مؤهلة.
فالتحول الرقمي في السودان لم يعد ترفًا تقنيًا، بل ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي وبناء مستقبل أكثر أمانًا ومرونة.