رأي

عمر الدقير والاختبار الصعب للقيادة السياسية في السودان: بين تناقضات التحالفات وإمكانية المبادرة الوطنية المستقلة

مصطفى عبدالعزيز البطل

وقفتُ لبرهة أمام تصريح المهندس عمر الدقير، رئيس ما يُسمّى بالآلية السياسية لتحالف «صمود» ورئيس حزب المؤتمر السوداني، المنشور اليوم، 28 مايو، في بعض المنصات تحت عنوان: «الدقير ينتقد إقصاء أي قوى سياسية من أي تسوية»، والذي دعا فيه إلى «ضرورة اعتماد تسوية سياسية لإنهاء الحرب، وأن أي مسار سياسي جاد لإنهاء الحرب يجب أن يبتعد عن الخطاب الإقصائي»، بحسب ما نُسب إليه.

خطر لي، في ضوء ما تقدم، أن أعود إلى مطالعة نص إعلان المبادئ الصادر عن لقاء نيروبي الأسبوع الماضي، فوجدت بنداً ورد فيه: «ضرورة مواجهة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية بكل الوسائل المشروعة، وإغلاق الطرق أمام عودتهما».

وبرغم ما يبدو من تناقض ظاهري بين موقف المهندس الدقير وموقف بيان تجمع نيروبي، إلا أنني لاحظت بعض التغيير في اللغة التي تستخدمها جماعة «صمود»، وكنت قد أشرت إلى ذلك في مقال سابق .. فاللغة الجديدة توحي وتلمّح إلى أن الجماعة غادرت محطة الإطلاقات الرعناء والتهديدات الجامحة، ووضعت بعض الضوابط السياسية والقانونية على خطابها العام وهي تتصدى لخصومها في المشهد السياسي الوطني.

تقول جماعة «صمود» في خطابها الجديد إنها ستواجه حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، وستسعى إلى إغلاق الطريق أمام عودتهما إلى السلطة «بكل الوسائل المشروعة»، وهو هدف منطقي وسليم ولا غبار عليه، طالما كانت المداخل اليه مقننة وضمن الأطر الدستورية!

وأعتقد أن الإسلاميين في الحزب والحركة لن يجدوا بأساً في ذلك، فهم بدورهم سيسعون إلى مواجهة جماعة «صمود» ومنعها من العودة إلى السلطة بكل الوسائل المشروعة أيضاً.

العبارة السحرية هنا هي «الوسائل المشروعة». والحقيقة أن جوهر العمل السياسي التنافسي، في أي بيئة ديمقراطية، هو المدافعة والنضال وسط الجماهير بغرض الوصول إلى الحكم، ومن ثم تطبيق الأهداف والبرامج المعلنة. ويستلزم ذلك ويقتضي، في المقابل وبالضرورة، منع الخصوم من تحقيق أهدافهم وتطبيق برامجهم والوصول الى السلطة قولاً واحداً.

يبدو لي أن المهندس عمر الدقير هو الأكثر تأهيلاً والأوفر حظاً لإحداث اختراق قوي وفاعل في الساحة السياسية، والنهوض بدور قيادي في الاتجاه الذي تتطلع إليه كل القوى الوطنية في السودان اليوم.

ومن عجب أن عناصر من حزب المؤتمر الوطني، كانت تعمل بهمّة لإحداث تغيير في بنية ووجهة الحكم قبل سقوط النظام في عام 2019، بالتنسيق مع قوى المعارضة، وفي مقدمتها حزب المؤتمر السوداني، كانت قد طرحت اسم المهندس عمر الدقير لقيادة حكومة انتقالية تقود وتشرف على انتخابات حرة مباشرة ونزيهة في العام 2020، وكان المغفور له الإمام الصادق المهدي مطلعاً على ذلك التوجه ومباركاً له.

وكنت، قبل نحو عامين ونصف العام، قد توجهت، في لقاء خاص، بسؤال مباشر إلى الفريق أول صلاح قوش، مدير جهاز الأمن والمخابرات في نظام الإنقاذ، عن الشخصية التي توافقت عليها تلك المجموعة الناهضة بأمر التغيير لتولي رئاسة الحكومة المزمعة، والمكوّنة من مختلف الأطياف السياسية، فأجابني بلغة واضحة وقاطعة لا لبس فيها: عمر الدقير!

ومن سخرية الأقدار أن قوى تحالف الحرية والتغيير كانت شبه متوافقة، غداة انقلاب الجيش على نظام الإنقاذ في العام 2019، على اختيار المهندس عمر الدقير نفسه لقيادة حكومتها، لولا أن قوى أجنبية تدخلت لتفرض اسم عبدالله حمدوك، الذي لم يشارك في أي من مراحل الحراك الذي قاد إلى التغيير، ولا حتى بتغريدة على منصة تويتر!

وبعد؛ فإن هذا المنشور لا يدعو أي جهة، لا في معسكر الجيش ولا في معسكر نيروبي، إلى تبني أو تزكية ترشيح المهندس عمر الدقير لرئاسة حكومة انتقالية. إنما ندعو الرجل نفسه إلى أن يستقل بموقفه، وأن يتصدى لقيادة مبادرة سودانية قومية خالصة، مبرأة من النفوذ الأجنبي، تتحلق حولها كل القوى الوطنية بلا استثناء، في اتجاه إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة.. مبادرة تتجاوز منطق الإقصاء والشعارات المتناقضة، وتتجه بثبات نحو رؤية وطنية خالصة تعلي من شأن التوافق الوطني وتضع مصلحة البلاد فوق اعتبارات المحاور، وتؤسس لسلام مستدام ودولة قابلة للحياة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى