السفير: مبارك محجوب موسى
ولعل السؤال الأهم بعد هذه الدعوة ليس فقط: كيف نستقبل العائدين؟ وإنما: كيف نجعل من عودة الملايين من مناطق النزوح واللجوء قوةً هائلة لإعادة بناء السودان؟
إن العودة إلى الوطن ينبغي ألا تكون مجرد عودة إلى المنازل، وإنما عودة إلى المسؤولية والمشاركة والعمل.
ولذلك، فإن من أهم الوسائل التي يمكن أن تجعل العائد إيجابيًا وفاعلًا في مرحلة ما بعد الحرب، أن ينتظم كل سوداني وسودانية، بحسب قدرته وتخصصه واهتمامه، في عمل طوعي جماعي منظم يسهم في تهيئة البيئة اللازمة للاستقرار واستعادة الحياة الطبيعية.
فليبدأ العمل من الحي، ثم المحلية، فالمحافظة، فالولاية، وصولًا إلى الوطن كله.
نحن لا نحتاج إلى انتظار المشروعات الكبرى حتى نبدأ؛ فإعادة بناء السودان يمكن أن تبدأ من أبسط الأشياء التي تقع تحت أيدينا.
يمكن أن يتطوع المهندس في صيانة مدرسة أو مركز صحي، والطبيب في القوافل الصحية، والمعلم في دعم التلاميذ الذين انقطعت بهم سبل التعليم، والمهني في تدريب الشباب، والمزارع في التشجير والإنتاج، والمرأة في المبادرات المجتمعية، والشباب في حملات النظافة والتجميل والتأهيل، وكل مواطن في المجال الذي يستطيع أن يقدم فيه شيئًا.
ولعل تجربة «الخرطوم خضراء» تقدم نموذجًا يستحق التوسع والتعميم؛ فقد استطاعت أن تجذب قطاعات واسعة من الشباب من الجنسين، وأن تتطور إلى عمل أكثر تنظيمًا ومهنية، يهتم بتجميل العاصمة وزراعة الأشجار، ولا سيما الأشجار المثمرة.
وهذه التجربة يمكن أن تتحول إلى ثقافة وطنية شاملة لا تقتصر على الخرطوم، وإنما تمتد إلى كل مدن وقرى السودان.
فلنبدأ من الحي؛
يمكن أن يكون لكل حي فريق تطوعي منظم، يعمل بالتنسيق مع الجهات المحلية، ويضع أولويات واضحة.
والأهم من ذلك كله أن يكون هذا العمل منظمًا، لا عشوائيًا؛ مهنيًا، لا موسميًا؛ مستدامًا، لا مرتبطًا بالحماس المؤقت.
وهنا يمكن أن نستفيد كثيرا من تجربة رواندا الناجحة في «أوموغندا»، حيث يلتقي المواطنون بصورة دورية للعمل معًا في خدمة مجتمعاتهم:
تنظيف الأحياء، والتشجير، وصيانة المدارس والمرافق، ومعالجة بعض احتياجات المجتمع. وقد تحولت هذه الممارسة إلى ثقافة راسخة في المشاركة المجتمعية والتنمية.
ونحن في السودان بطبيعة الخال لسنا بحاجة إلى استيراد الفكرة من خارجنا؛ فلدينا في تراثنا الاجتماعي ما هو أعمق وأصـيل: النفير والفزع والتكافل والعمل الجماعي. كل ما نحتاجه هو أن نعيد إحياء هذه الروح، ونمنحها التنظيم والاستمرارية، لتصبح قوة دافعة لإعادة بناء السودان.
فليكن لكل حي يوم للعمل العام، ولكل محلية مبادراتها، ولكل ولاية أهدافها، حتى تتحول عودة الملايين إلى قوة بناء وطنية هائلة، لا مجرد عودة إلى الحياة الطبيعية.
* رفع الحس الأمني المجتمعي والتعاون مع السلطات في الوقاية من الجريمة، دون أن يتحول العمل التطوعي إلى ممارسة أمنية خارج الأطر القانونية.
فبطبيعة الحال، لن تكتمل عودة الحياة إلى السودان من دون رفع الحس الأمني للمواطن؛ فالأخطار لم تنتهِ، والعدو ما زال متربصًا، وآثار الحرب لا تزال ماثلة. لكن اليقظة الأمنية لا تعني تحويل المواطن إلى رجل أمن، وإنما أن يكون شريكًا واعيًا في حماية مجتمعه؛ ينتبه للمخاطر، ويحافظ على الممتلكات والمرافق العامة، ويتعاون مع السلطات، ويُبلغ عن أي ظواهر أو تحركات مريبة عبر القنوات الرسمية، ويحمي أسرته وحيه دون شائعات أو فوضى أو تخوين.
فالأمن مسؤولية الدولة والمجتمع معًا، والمواطن الواعي هو خط الدفاع الأول عن استقرار مجتمعه.
* رعاية المبادرات الشبابية والنسوية وتشجيع الابتكار في معالجة مشكلات المجتمع.
نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار إلى قيمة التطوع والعمل العام في المجتمع السوداني، وتحويلهما من مبادرات فردية متفرقة إلى حركة مجتمعية واسعة.
يمكن أن يكون لكل حي سجل بالاحتياجات والأولويات، ولكل متطوع مجال يشارك فيه، ولكل مبادرة أهداف قابلة للقياس، مع نشر نتائج العمل بشفافية حتى يشعر المواطن أن جهده أحدث فرقًا حقيقيًا.
ويمكن أن تتنافس الأحياء والمحليات والولايات، ليس في السياسة هذه المرة، وإنما في النظافة، والتشجير، وإعادة تأهيل المدارس، ودعم الصحة، ورعاية الأطفال، وتحسين البيئة.
ولماذا لا يكون هناك، مثلًا، «يوم السودان للتطوع وإعادة البناء»، يشارك فيه السودانيون في الداخل والعائدون من الخارج، كلٌّ في منطقته، في عمل وطني موحد؟
ولماذا لا نطلق منصة رقمية وطنية تربط بين من يريد أن يتطوع، ومن يحتاج إلى متطوعين، بحيث يستطيع المهندس أو الطبيب أو المعلم أو المحامي أو الطالب أو العامل أو ربة المنزل أن يجد المجال الذي يستطيع من خلاله أن يخدم مجتمعه؟
بل يمكن أن نذهب أبعد من ذلك، فننشئ «بنكًا للمهارات الوطنية»، يحصر خبرات السودانيين في الداخل والخارج، ويتيح توظيف هذه الخبرات في إعادة الإعمار والتعليم والصحة والبيئة والتقنية والتدريب.
وهنا تتحول العودة من مجرد حركة بشرية إلى طاقة وطنية هائلة.
ان السوداني الذي عاد من اللجوء أو النزوح يحمل معه تجربة قاسية، لكنه يحمل أيضًا خبرات ومهارات وعلاقات وأفكارًا اكتسبها خلال سنوات الغياب. فلنجعل من هذه التجربة رصيدًا لبناء الوطن.
لقد تعرضت الأمة السودانية لامتحان بالغ القسوة، ومع ذلك أظهرت هذه المحنة قدرًا هائلًا من التضامن والتكافل والصبر والانتماء.
فلنحافظ على هذا الزخم، ولنحوّل الحس الوطني الذي بلغ آفاقًا واسعة خلال الحرب إلى قوة بناء في زمن السلام.
لقد آن الأوان لأن ننتقل من ثقافة:«ماذا قدم لي السودان؟»إلى ثقافة: «ماذا أستطيع أن أقدم للسودان؟» ومن انتظار الدولة أن تفعل كل شيء، إلى شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص والمنظمات الطوعية والشباب والمرأة والمهنيين والسودانيين في المهجر.
فالدولة لا تستطيع وحدها أن تعالج كل شيء، والمجتمع لا يستطيع وحده أن يفعل كل شيء، لكن إذا اجتمعت الدولة والمجتمع والقطاع الخاص والطاقات الوطنية، فإن ما يبدو مستحيلًا اليوم يمكن أن يصبح واقعًا غدًا.
ولنجعل شعار المرحلة:
«عدنا لنَبني… حيًّا بعد حي، ومدينةً بعد مدينة، وولايةً بعد ولاية، حتى ينهض السودان كله.»
فإعادة بناء السودان ليست مهمة الحكومة وحدها.
إنها مهمة كل سوداني.
ومن يريد أن يعرف من أين يبدأ، فليبدأ من المكان الذي يقف فيه الآن.
من حيه.
من شارعه.
من مدرسته.
من مستشفاه.
من بيئته.
من جاره.
هناك يبدأ الوطن من جديد.