رأي

عامٌ على الغياب… والمكان ما زال لآسيا

الواثق كمير

الذكرى الأولى

مرّت سنة على رحيل صديقتنا الغالية، الفنانة والمطربة السودانية القامة ، آسيا مدني، التي غادرتنا في 16 فبراير 2025…

وما زال غيابها موجع، ولسه حضورها أقوى من الغياب.

آسيا ما كانت بالنسبة لنا مجرد صوت بنسمعها على مسرح، أو فنانة نشوفها على شاشة.

كنا نعرفها عن قرب… في البيت، في اللمة، في الونسة، وفي التفاصيل الصغيرة.

منذ عام 2012 كنت أمكث في القاهرة عدة شهور من صيف كل عام، غالباً ما بين مارس وسبتمبر، تزيد أو تنقص من سنة لأخرى. وخلال تلك الشهور كانت لقاءاتنا تتجدد باستمرار، وسط الأصدقاء والأقرباء، في جلسات صادقة لا تُنسى.

كانت حاضرة بروحها، بصوتها، وبخفة ظلها التي تملأ المكان.

وفي سبتمبر 2024 عدتُ إلى تورونتو كعادتي… ولم أكن أعلم أن تلك ستكون آخر مرة أراها فيها. فبعد أقل من خمسة شهور رحلت.

وفي 17 أبريل 2025 عدتُ إلى القاهرة… بعد شهرين من وفاتها.

دخلت المكان نفسه، والوجوه نفسها، لكن كان في شيء ناقص. كرسي آسيا كان فاضي.

المكان الذي لم تكن تقبل أن يجلس فيه أحد — بالتي هي أحسن أم عَنْوَةً واقْتِداراً — ظل كما هو، كأنه مستنيها وفي انتظار عودتها.

يومها لم تطاوعنا الأنفس وما قدرنا نغني. لأن الغنا كان بيبدأ منها وتحثنا بشدة على المشاركة.

فآسيا لم تكن مطربة عادية، ولكنها كانت صاحبة رسالة.

كانت تؤمن أن الفن ليس للتسلية فقط، أو سبيل من سبل كسب العيش، بل للناس، وللوطن، وللأمل.

لهذا اختارت الفلكلور السوداني، وقدّمته في مصر وأفريقيا وأوروبا وأمريكا بكل فخر.

واستحقت أن تُعرف بحق *”سفيرة الفلكلور السوداني”*.

لكن آسيا التي عرفناها نحن لم تكن فقط فنانة مهرجانات أو مناسبات. فقد كانت صديقة، وأخت، وحضوراً دافئاً في البيت.

في 2020 سنة الكورونا، حين توقفت المسارح، جلسنا، ومعنا الصديق المشترك *كولي*، نغني في البيت ونسجل ونضحك… (نجوم ما قبل الأمس: الإبداع في زمن الكورونا)،

وهي تقود الإيقاع وتصحح لنا، وكأنها تقول: الفن لا يتوقف.

ولا أنسى يوم ولادة حفيدتي *”ماكسين”* حين اختلت دقائق ثم عادت بأغنية كاملة كلمات ولحناً، وغنّتها لنا من قلبها.

هكذا كانت آسيا … تعطي بمحبة ومن غير حساب.

وأقولها بصدق: كنت أتمنى أن نقيم لها حفل تأبين يليق بما قدمته، وبما بذلته من أجل الفن ومن أجل السودان.

لم يتحقق ذلك حتى الآن…

وهنا يعتصرني جزعٌ حقيقي.

أشعر أحياناً وكأنني مدين لها بدينٍ لم أُوفِّه بعد. ليس دين وعدٍ عابر، بل دين وفاءٍ يستحق أن يُنجز.

هذا الجزع يؤلمني…لكنه يذكرني أيضاً أن حق آسيا علينا باقٍ ما بقينا، وأن الوفاء لا يسقط بالتقادم مع الوقت.

سنة عدّت…لكن المكان ما زال لها، في البيت، في الونسة، وفي الإيقاع. وفي كل مرة نبدأ غنا، ولو استماع، ونحس أن في شيء أساسي ناقص.

رحمكِ الله يا آسيا، وجعل كل لحن غنيتيه نوراً لك، وكل قلب أحبك دعاءاً مستمراً.

ما غبتي عنا بس بصوتك…

فقد كنتِ جزءاً من حياتنا.

العزاء لأسرة آسيا الكريمة، ولكل أهلها داخل السودان وخارجه.

والعزاء كذلك لمجموعة الأصدقاء والصديقات والأقرباء والقريبات ممن جمعتنا بهم معها لمّات صادقة ولقاءات جميلة منذ نوفمبر 2011 وحتى قبل رحيلها بأشهر قليلة في فبراير 2025.

والعزاء لكل صديقاتها وأصدقائها ولكل من أحب آسيا وشاركها الغناء أو استمع إليها…

نسأل الله أن يتغمدها بواسع رحمته، وأن يجعل محبتها في قلوب الناس صدقة جارية لها.

الدوام لله والبقاء له وحده

تورونتو، 16 فبراير 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى