طلاب خارج الفصول.. كيف سرقت الحرب مستقبل جيل كامل في السودان؟

الأحداث – وكالات
لم تكن سعاد سيف الدين تتخيل أن تنتهي رحلتها التعليمية قبل أن تصل إلى مقاعد الجامعة. فبينما كانت تحلم بدراسة المحاسبة والعمل في أحد البنوك، وجدت نفسها تودع المدرسة إلى الأبد بعد أن أُجبرت على الزواج في سن مبكرة. ومنذ ذلك اليوم تبدلت أحلامها بحياة جديدة فرضتها الظروف وقرارات الأسرة.

حلم تبخر مبكرًا
وأشارت المواطنة سعاد سيف الدين، من مدينة عطبرة بولاية نهر النيل، في حديثها لـ”الترا سودان”، إلى أنها تزوجت وهي في التاسعة عشرة من عمرها، وكانت آنذاك طالبة بالصف الثالث الثانوي. وبعد إغلاق المدارس بسبب الحرب، أُجبرت على الزواج. وأضافت أن حلمها كان دراسة المحاسبة والعمل موظفةً في أحد البنوك، إلا أن الزواج حال دون تحقيق ذلك، وتابعت: “بسبب الزواج والحرب تركت الدراسة، فمنعني زوجي وأسرتي من مواصلة تعليمي، فتركت المدرسة بلا عودة”.

وأوضحت أنها حاولت مرارًا إقناع زوجها بالسماح لها بإكمال تعليمها، لكنه ظل رافضًا، لتجد نفسها مضطرة إلى البقاء في المنزل والتفرغ لتربية طفلها، وبقي حلم الدراسة مؤجلًا دون أمل في العودة.

ويرى المتحدث باسم غرفة طوارئ النهود المركزية بولاية غرب كردفان، سليمان أبو حميدة، أن عدد المدارس في الولاية بمختلف مراحلها التعليمية يتجاوز 800 مدرسة، تشمل رياض الأطفال والخلاوي والمدارس الحكومية والخاصة بمراحلها الابتدائية والمتوسطة والثانوية.

مدارس أغلقتها الحرب
وأضاف، في حديثه لـ”الترا سودان”، أن مدينة النهود وريفها تضم نحو 500 مدرسة، مؤكدًا أن المدارس العاملة حاليًا في ولاية غرب كردفان لا تتجاوز 15% من إجمالي المؤسسات التعليمية.

وأشار أبو حميدة إلى أنه لا توجد مدارس تعمل حاليًا في النهود أو الخوي أو بابنوسة، لافتًا إلى أن بعض المدارس الخاصة فقط تواصل نشاطها في مدينتي الفولة وغبيش، وبعض المناطق الآمنة نسبيًا التي لم تتأثر بالحرب بصورة مباشرة.

وأوضح أن إغلاق المدارس يعود إلى عدة أسباب، أبرزها نزوح غالبية المعلمين بسبب الحرب، وتوقف صرف المرتبات، مشيرًا إلى أن معلمي غرب كردفان الموجودين في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع لم يتقاضوا رواتبهم منذ أكثر من عام.

ولفت إلى سبب آخر يتمثل في عدم تنظيم امتحانات الشهادة الثانوية داخل الولاية، إضافة إلى تحويل عدد من المدارس إلى مراكز لإيواء النازحين. وأوضح أن مدينة الفولة تضم نحو 30 مدرسة تحولت إلى مراكز إيواء، فيما تحولت خمس مدارس في غبيش إلى مراكز لإيواء النازحين. أما في مدينة النهود، فأشار إلى أن المدارس خالية، إذ لا تُستخدم كمراكز إيواء، ولا تضم طلابًا بسبب نزوح معظم سكان المدينة.

وكشف أبو حميدة أن عدد الطلاب الجالسين لامتحانات الشهادة الثانوية السودانية في الولاية بلغ 14,226 طالبًا في عام 2021، وانخفض إلى 10,685 طالبًا في عام 2022. أما بعد اندلاع الحرب، وخلال امتحانات الشهادة المؤجلة للعامين 2023 و2024، فلم يتمكن سوى 1,300 طالب من الجلوس للامتحانات في مراكز بديلة بمدينة الأبيض وغيرها، من أصل 12,762 طالبًا كان من المقرر أن يؤدوا الامتحانات.

أما أخصائية الطب النفسي، الدكتورة ابتسام محمود، فتقول إن بقاء الطفل سنوات خارج المدرسة بسبب الحرب يترك جرحًا عميقًا قد تستمر آثاره لسنوات طويلة. وأضافت أن الحرب لا تكسر المدارس فحسب، بل تكسر أيضًا “الطفولة”، مؤكدة أن المدرسة ليست مجرد مكان لتعلم القراءة والكتابة، وإنما هي “مصنع الشخصية”.

جيل بلا تعليم
وأشارت محمود، في حديثها لـ”الترا سودان”، إلى أن انقطاع الطفل عن الدراسة يخلق فجوة تعليمية كبيرة، إذ يفقد ما بين ثلاث إلى خمس سنوات من المهارات الأساسية، مثل القراءة والحساب والمهارات الحياتية، ما يجعل العودة إلى الدراسة أكثر صعوبة، ويولد لديه شعورًا بالإحباط. وأضافت أن المدرسة تمنح الطفل إحساسًا بالاستقرار والروتين اليومي، فوجود “مدرسة غدًا، وواجبات، وأصدقاء” يخلق لديه شعورًا بالأمان، بينما يؤدي غياب ذلك إلى حالة من الفوضى والقلق المستمر.

فيما يرى الخبير التربوي محمد ناصر أن التحصيل الدراسي هو عملية اكتساب للمعارف والمهارات بصورة متصلة وتراكمية، وعندما ينقطع التلميذ عن الدراسة لفترة طويلة، يحدث تراجع تدريجي في هذه المعارف والمهارات حتى تتلاشى أجزاء منها.

فاقد تعليمي خطير
وقال ناصر، في حديثه لـ”الترا سودان”، إن التلميذ خلال فترة الانقطاع الطويل يتعرض لبيئات وتجارب مختلفة، سواء في سوق العمل أو في الشارع، مما يبعده عن البيئة المدرسية، ويؤدي إلى ما يعرف بـ”الأمية الارتدادية”، حيث يفقد جزءًا مما تعلمه سابقًا.

وأشار ناصر إلى أن التلميذ الذي يترك الدراسة، على سبيل المثال، في الصف السادس، سيكون من الصعب جدًا أن يعود إلى مستواه السابق عند استئناف الدراسة، موضحًا أن مستواه التعليمي قد يتراجع إلى ما يعادل الصف الثالث أو الرابع.

وأوضح أن هناك ظروفًا عديدة تحول دون عودة الطلاب إلى مقاعد الدراسة بصورة طبيعية، من بينها اضطرار بعضهم إلى العمل، والتسرب الدراسي، واستمرار النزوح. وأضاف أن بعض الولايات المستقرة لا تزال تعاني من انخفاض معدلات الالتحاق بالتعليم، فيما لا يزال أطفال في ولايات أخرى يعيشون أوضاع النزوح هربًا من المعارك والمسيرات والقصف الجوي، وهو ما يؤدي إلى فاقد تعليمي طويل الأمد.

نقلا عن “الترا سودان”

Exit mobile version