صناعة الياس في حرب السودان

كلام من اتجاه واحد
د. عبدالماجد هارون

يخطئ من يتعامل مع مشاعر الإحباط وحالة الانكفاء التي تصيب الشارع السوداني اليوم على أنها نتاج طبيعي لظروف الحرب والسياسة فحسب فالتشخيص الدقيق لمسارات الأحداث يثبت أننا نتعرض لـهجوم إدراكي مُمنهج تُديره غرف عمليات نفسية عابرة للحدود (Psychological Operations – PsyOps).

إن ما نواجهه اليوم ليس مجرد تدفق عشوائي للأخبار بل هو سلاح استراتيجي مصمم بدقة لـهندسة الهزيمة النفسية وصناعة ما يمكن تسميته باليأس الوجودي حيث يُراد للمواطن السوداني أن يصل إلى قناعة عبثية بأن وطنه قد انتهى وأن أي جهد للمقاومة أو الصمود هو ضرب من الوهم.

إن غرف العمليات هذه تعتمد على تقنية الإنهاك الإدراكية والتي هي عبارة عن آلية تقوم على ضخ كميات هائلة من الأخبار الكاذبة والمثبطة والمشوهة بشكل متواصل لضرب الحاضنة الشعبية وتدمير الروح المعنوية في جبهتها الداخلية. هذه المصفوفات الارتدادية تدرس بعناية سيكولوجية الجماهير وتستغل بل وتخلق الثغرات لتمرير سردياتها المسمومة مما يؤدي إلى تآكل الثقة بين المواطن ومحيطه ومؤسساته الوطنية ويدفعه نحو الانعزال والقبول بأي حلول تُفرض عليه حتى لو كانت تمس سيادته وكرامته.

إن الهزيمة لا تبدأ على تخوم المدن بل تبدأ في عقول البشر عندما تستسلم للسراب الرقمي. وتمدد هذا الهجوم يهدف بالأساس إلى خلق حالة من الموت السريري للإرادة الوطنية عبر تجريف القيم الحاكمة وتفكيك أواصر التضامن الاجتماعي. وحينما تصبح الإشاعة هي المرجعية والخبر المجهول هو صانع القرار في العقل الجمعي نكون قد دلفنا بالفعل إلى مرحلة التدمير الذاتي للمجتمعات من الداخل.

إن كسر هذه المصفوفات النفسية المعقدة لا يكون بالعاطفة المفرطة أو الردود الانفعالية اللحظية بل بامتلاك وعي صلب يملك القدرة على فرز الخبر المصنوع والموجه من الحقيقة الواقعية على الأرض. فك شفرات هذه الحرب يتطلب تفكيك آليات البث ورصد غاياتها البعيدة واستيعاب أبعاد هذا الاستهداف الجيوسياسي لوعي الأمة قبل فوات الأوان.

Exit mobile version