ثقافة وفنون

شهادات من مبدعين ونقاد تستعيد تجربة أحد أبرز وزراء الثقافة في السودان عمر الحاج موسى.. بصمته في الذاكرة السودانية

الاحداث: ماجدة حسن

ما الذي يجعل مسؤولاً ثقافياً يظل حاضراً في ذاكرة المثقفين والمبدعين وعامة الناس، بعد عقود من مغادرته موقعه؟

ربما تكمن الإجابة في تجربة الراحل عمر الحاج موسى، الذي يستعيد عدد من الكتاب والنقاد والمبدعين تجربته بوصفها واحدة من أكثر التجارب تأثيراً في تاريخ الثقافة السودانية بعد الاستقلال.

ويرى الكاتب والناقد عزالدين ميرغني أن عمر الحاج موسى كان، في تقديره، أفضل وزراء الثقافة الذين تعاقبوا على السودان منذ الاستقلال، واصفاً إياه بأنه كان «مثقفاً، وحداثوياً، ومبدعاً، ومتواضعاً وإنسانياً».

مشروع ثقافي يتجاوز المنصب

بحسب ميرغني، لم تكن تجربة عمر الحاج موسى مجرد إدارة لوزارة، وإنما ارتبطت بمشروع ثقافي اتسع ليشمل إنشاء مهرجانات للثقافة، ومعارض للكتب، ومجلات ثقافية حكومية، إلى جانب توفير معاشات ثابتة للمبدعين.

كما عمل على تطوير المجلس القومي للآداب والفنون، وإقامة مسابقات في القصة القصيرة، وتمويل سفر الكتاب والمثقفين للمشاركة في المهرجانات العالمية، فضلاً عن تنظيم الدورات الثقافية المدرسية.

ويرى ميرغني أن جانباً كبيراً من هذه الأنشطة توقف بعد مغادرة عمر الحاج موسى للمشهد، الأمر الذي جعل تجربته تستعاد اليوم باعتبارها نموذجاً لمرحلة كان فيها العمل الثقافي جزءاً أساسياً من مشروع الدولة.

«لذة النص المسموع»

غير أن حضور عمر الحاج موسى في الذاكرة السودانية لا يرتبط فقط بما أنجزه في موقعه الوزاري، وإنما أيضاً بلغته وخطابه وطريقته الخاصة في مخاطبة الناس.

ويصف ميرغني خطبه بأنها كانت تتميز بما يمكن تسميته «لذة النص المسموع»؛ إذ كان مستمعوه ينصتون إليها بإعجاب، لما تميزت به من لغة متفردة، مسجوعة أحياناً، وغنية بمفردات الثقافة السودانية واللهجة المحلية ذات الجذور الضاربة في القدم.

كانت خطاباته تجمع، وفق هذه الشهادة، بين التاريخ والدوبيت والمسادير والأمثال السودانية والشعر العربي القديم، فضلاً عن استدعاء أسماء وشخصيات ربما غابت عن الذاكرة الأدبية والسياسية.

وهكذا كان يخاطب المثقف والمواطن البسيط في الوقت نفسه، بل إن بعض مقاطع خطبه ظلت محفوظة ومتداولة بين الناس، وهو أمر نادر بالنسبة لخطاب مسؤول حكومي.

شهادات المبدعين

وتؤكد شهادة الكاتب سعيد هذا الحضور، إذ يخاطب ميرغني قائلاً: «عزو العظيم»، مؤكداً أنه يتفق معه في اعتبار عمر الحاج موسى أعظم وزير ثقافة مر على السودان.

ويستعيد سعيد واقعة شخصية تعود إلى عام 1972، عندما شارك في مسابقة للقصة القصيرة، وفازت قصته «هدية الرئيس أفانيدس» بالجائزة الثانية.

وكانت الجائزة سبباً في لقائه بعمر الحاج موسى، الذي سلّمه ظرفاً يحتوي على عشرة جنيهات، وهو مبلغ كانت له قيمة كبيرة في ذلك الوقت.

ويضيف أن القصص المشاركة في المسابقة جُمعت ونُشرت في كتاب تولت مطبعة جامعة الخرطوم طباعته، مشيراً إلى وقوع خطأ في التوثيق، إذ وردت قصته في الكتاب باعتبارها حاصلة على الجائزة الثالثة، بينما كانت في الحقيقة الجائزة الثانية.

وتكشف هذه الشهادة جانباً آخر من تجربة الوزارة في ذلك الوقت، يتمثل في رعاية المواهب الشابة وإتاحة المجال أمامها للوصول إلى القارئ والنشر والتكريم.

الثقافة السودانية في خطاب رجل الدولة

أما الناقد أحمد الصاوي، فيرى أن عمر الحاج موسى كان استثناءً في طريقة تعاطيه مع الثقافة السودانية، معتبراً أن معطيات خطابه كانت نابعة من صميم الإبداع المحلي.

ويشير إلى أن كلماته وصوته وإحساسه بالفن والإبداع كانت ذات خصوصية لا نظير لها، حتى إن مفرداته كانت تمنح المستمع إحساساً واضحاً بنكهة سودانية مميزة، مستمدة من التراث واللهجة المحلية.

وتتفق هذه الشهادات في نقطة أساسية: أن عمر الحاج موسى لم يكن وزيراً للثقافة بمعناها الإداري الضيق، بل كان مثقفاً دخل إلى المنصب محملاً بمعرفة واسعة بالتراث واللغة والفنون، وهو ما انعكس على خطابه وممارسته للعمل العام.

خطاب الجزيرة.. وثيقة تستحق الدراسة

ومن بين المحطات التي تستحق التوقف عندها في مسيرة عمر الحاج موسى، بحسب الشهادات، خطابه في احتفال افتتاح تلفزيون الجزيرة.

ويشار الي  الوزير ألقى خلال المناسبة خطاباً مهماً تناول فيه مجتمع الجزيرة، وظل هذا الخطاب متداولاً عبر الوسائط حتى اليوم، باعتباره نصاً قابلاً للعودة إليه والاستفادة منه في دراسة المجتمع والثقافة السودانية.

ومن هنا تبرز دعوة إلى إجراء دراسة نقدية لهذا الخطاب، ليس بوصفه كلمة احتفالية عابرة، وإنما باعتباره نموذجاً لطريقة عمر الحاج موسى في بناء خطاب ثقافي يستند إلى المكان والإنسان والتاريخ والذاكرة الشعبية.

«إعطاء الخبز لخبازه»

وتلخص هادية قاسم جانباً من سر نجاح التجربة بقولها إن عمر الحاج موسى ربما نجح في مهمته لأنه كان «مثقفاً قريباً من أهل الشأن»، مضيفة: «إعطاء الخبز لخبازه من الأهمية بمكان».

وربما تختصر هذه العبارة جوهر التجربة كلها.

فحين يكون المسؤول عن الثقافة قريباً من المثقفين والمبدعين، وملماً بلغتهم واحتياجاتهم، وقادراً على مخاطبة الجمهور بلغة تنتمي إلى ذاكرته ووجدانه، فإن الوزارة تتحول من مؤسسة إدارية إلى مساحة فعل ثقافي حقيقي.

ذاكرة لا تزال حاضرة

بعد سنوات طويلة، تبدو تجربة عمر الحاج موسى حاضرة في شهادات من عاصروه أو اقتربوا من مشروعه الثقافي.

وبين المهرجانات ومعارض الكتب والمسابقات الأدبية والمجلات والمعاشات المخصصة للمبدعين، وبين الخطب التي ما زالت تستعاد وتُتداول، تتشكل صورة وزير لم يكن حضوره مرتبطاً بالمنصب وحده.

إنها صورة المثقف الذي دخل الدولة من بوابة الثقافة، وحاول أن يجعل الدولة أقرب إلى الثقافة والمبدعين والجمهور.

ولهذا ربما لا تبدو العودة إلى تجربته مجرد وقوف على أطلال وزير ثقافة سابق، بقدر ما هي محاولة لاستعادة سؤال قديم ومتجدد: كيف يمكن للدولة أن تجعل الثقافة مشروعاً مستداماً، لا نشاطاً عابراً مرتبطاً بشخص أو مرحلة؟

رحم الله عمر الحاج موسى، ورحم كل من أسهم في بناء الذاكرة الثقافية السودانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى