فيما أرى
عادل الباز
1
العبارة أعلاه للأستاذ عمر الدقير جاءت في سياق مقال له أول أمس («العفو» والدعوة لحوار لا يضع إنهاء الحرب). وقبل أن أبدأ هذا المقال.. أقول للأستاذ: الله يعلم من الذي يعمل بجاز المصافي هذه الأيام.. ذلك الوقود المؤقت والمستنفد الذي لا يقوى على تسيير قطار الوطن المشتعل، بل يكتفي بإصدار الدخان الكثيف الذي يحجب الرؤية عن الحقائق الماثلة.
2
في اليومين الماضيين فاضت الأسافير بكتابات قادة «صمود»، وكلها ترفض الحوار السوداني – السوداني بالداخل، وتضع شروطاً وتسخر من حديث الجيش عن إعفاءات قانونية بحقهم. وكنا بالأمس قد تولينا الرد على السيد مبارك الفاضل، وهؤلاء ضمن «الأكسترا» التي تعزف ذات ألحان السيد مبارك ماعدا ان دعوة سيد مبارك على السلم الخماسي بينما دعوة الآخرين على إيقاع الرباعية. ولذا لاداعى لتكرار حججنا في دحض مقولات اتضح أنها لا تقف على ساقين، وسأعمد للنظر في فكرتين تبناها كل من ياسر عرمان وعمر الدقير، بينما خلا منها مقال بابكر فيصل.
3
الفكرة التي دعا لها عمر وياسر هي «دعوة الجيش للحوار مع صمود وحدها لا غيرها»… أي أن الحوار السوداني – السوداني يكون مغلقاً.. يعني إقصاء كل الداخل وإنشاء حوار حصري.
ترى لماذا يحاور الجيش حصرياً صمود؟ هل لأنها تتمتع بشرعية ثورية لا تزال قائمة بعد كل الذي جرى في البلاد؟ أم لأنها القوة التي تدعو إلى وقف الحرب وبذا يستحق أن يجري الحوار معها؟ أم لأنها هي القوة المسنودة من الخارج وربيبة الرباعية ولها كفيل معتبر بيده تمويل الحرب أو إيقاف تمويلها… أم لأنها هي حليفة الميليشيا وتتكئ على بندقيتها…..؟
السيد ياسر عرمان وسع الموضوع قليلاً بطلبه في المقال (لماذا لا يجتمع الجيش مباشرة مع قوى إعلان المبادئ وصمود والجذريين). إعلان المبادئ التي انشقت على نفسها، والجذريين الكتلة مجهولة النسب التي تضم كل «العويش» اليساري؛ هذه الكتل بحسب طلب ياسر يحاورها الجيش حصرياً ويقذف بكل القوى والكيانات المدنية والشعبية والقوى التي ساندته في الحرب خارج دائرة الحوار..!! عجيييب يا حبيب أنت… تطلب الحوار وتركب قطارات الجنون.. لو كان عماد الدين حياً لطلبت منه وعادل محمد خير أن يقدما مسرحية جديدة اسمها «عنبر المجانين» بدلا من عنبر المجنونات، وادعو للاستعانة برشا عوض كممثلة بطلة بدلاً من نادية أحمد بابكر الله يطريها بالخير..!!.. بالمناسبة، رشا عوض بإمكانها أن تقدم الدور ببراعة، فمقدراتها على تمثيل أدوار الجنون السياسي لا تضاهى..!!
4
بدا لي أن هؤلاء القوم في غيبوية.. ولا يحسون بما يجري في الواقع السياسي، ويفترضون أن الجيش أو قائد الجيش باستطاعته أن يبعد كل القوى ويتحاور معهم حصرياً تحت ضغوط الخارج، وقبل ذلك عليه أن يوقف الحرب!!. الحقيقة أنه لا الجيش كله ولا قائده بإمكانهما الاستجابة لدعوة حوار جماعة ياسر حصرياً؛ تلك أحلام الإطاري وهي أحلام عصفت بهم وبالبلاد كلها، ولن يجرؤ أي شخص على تخيلها وليس تكرارها.. سالت تحت سنابك تلك الفكرة الغبية دماء واستشهد الآلاف لقبرها، وانتهت.. الشعب السوداني الآن في وادٍ آخر لم تسمع به المعارضة ولا تعرفه، وهو (وادي الكرامة) الذي خرج يطلبها حين غزاه الجنجويد والمرتزقة واغتصبوا أعراضه ونهبوا أمواله ودمروا وطنه؛ هذا الوادي الذي جسدته قوافل المقاومة الشعبية، والتحام المواطنين بخنادق القوات المسلحة في القرى والمدن، وخذله الصموديون والجذريون والعملاء؛ هذا الشعب لن يستطيع أياً كان أن يعيده لمربع الإقصاء.
5
أما المطلب الذي اشترك فيه ياسر عرمان وبابكر فيصل هو إقصاء الإسلاميين.. وهو مطلب ظلوا يدعون له من زمن جهالتهم الباكرة، ولم تعلمهم السنون والتجارب درساً مفيداً، ولم يفهموا -حتى وهم في كهولتهم- أن الإسلاميين ليسوا زبداً طافياً يزيحونه بأيديهم أو يطلبون من السلطان أن يزيحه لهم… هم قوى اجتماعية عمرها سبعون عاماً، ولهم في الوطن مثل حقهم، ناهيك عن كل التضحيات التي قدموها الآن في معركة الكرامة. توهموا أنه بمجرد سقوط الإنقاذ بإمكانهم القضاء على التيار الإسلامي… ذلك التيار الذي حكم ثلاثين عاماً، وأطاح بهم بتكتيكاته المختلفة من سدة الحكم في غضون ثلاث سنوات، وجعل ثورتهم رماداً وهباء منثوراً.
حاولوا إقصاءهم في الإطاري فكانوا أول الطائرين إلى المنافي.. ولكن الحركة السياسية لا تتعلم من تجاربها وتكررها بغباء باستمرار. الآن الذين ينادون باستبعاد الإسلاميين من الحوار.. تُرى، هل يتوقعون أن تستقر لهم البلاد…. هل سيستلم الإسلاميون لإقصائهم ويضعوا بنادقهم ويخرجوا من خنادقهم إلى منازلهم.. تاركين الساحة.. لياسر وبابكر فيصل ورهطهما يفعلون بها ما يشاؤون.. يا مرضى الكوزفوبيا، ربنا يشفيكم.. قولوا كلاماً غير ذلك..!!
6
السؤال الذي سيطوف بخاطر أي شخص متابع للساحة السياسية هو: على ماذا تستند قائمة المطالب هذه.. هل تستند على تيار شعبي جارف يهدد السلطة في السودان؟ أم على قوة مسلحة تتحالف مع بندقيتها الآن؟ وهي للعجب قوى تتوالى انكساراتها الآن! أم على قوى خارجية تراهن على ضغوطها على الحكومة والجيش ليخضعا ويركعا وينفذا أمرها، ليعودوا هم على ظهرها لسدة الحكم؟ ما أكثر الأوهام في البلاد… الواقع أنه ليس في جوف تلك الأوهام ما يمكن أن يتحقق.
7
ستظل القوى السياسية وهؤلاء الحالمون بالسلطة قابعين في منافيهم «شغالين بجاز المصافي» حتى ينفد، فيبتلعهم اليأس فيعودوا إلى بلادهم خائبين خاوي الوفاض، من أي سلطة ولا من إنجاز وطني؛ سيقضون ما تبقى من حيواتهم في ظلماتهم يعمهون. إن الطريق الوحيد لخلاص السودان ليس في حوارات الغرف المغلقة والحصريات الضيقة، بل في حوار وطني شامل لا يستثني أحداً، حوار يؤسس لدولة تسع الجميع دون إقصاء أو وصاية خارجية. والله أعلم.