رأي

سلام سلام يامعلمين التعليم في حكومة الامر الواقع: معارضون بلا حدود

عبد الله علي إبراهيم

ملخص

(اعترضت لجنة المعلمين في السودان على انعقاد اختبارات الشهادة الثانوية الجزئية (أي في مناطق سيطرة الحكومة) عام 2025، لاتهامها الحكومة بأنها لم ترد من عقدها إلا استخدام “سلاح التعليم” لتعزيز سلطانها في البلاد. فقالت قمرية عمر، من لجنة المعلمين، إن هذا قرار حكومة الأمر الواقع، حكومة بورتسودان، وهو سياسي ومرتجل وهدفه الادعاء في مواجهة الطرف الآخر بأن السودان آمن، وأن الحياة تسير بصورة طبيعية).

كانت المعلمات في ثيابهن البيضاء كسرب غرانيق تشع كالثريات في القاعة التي جمعت فيها مؤسسة الدكتور أبو ذر الكودة المعلمين للاحتفال بيومهم العالمي خلال الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) 2024. ووقف “كورال” طلاب المؤسسة في زيهم الأخضر والطرح الزرقاء الغامقة على رؤوس البنات على مسرح القاعة. وغنوا:

شايلين همومنا من الصباح

دافعين خطانا على النجاح

على الله جد متوكلين

مرحب سلام يا معلمين

سلام سلام يا معلمين

لم يكن شدواً كان صهيلاً للجهات الأربع. كفكفت عازفة القيثارة دموعها. وطفح البشر على وجوه المعلمات كما لا يطفح بشر. وبشرن بأصابعهن الخضيبة للعرفان الذي جاءهن طرياً عذباً.

كان كأن الحرب التي استعادوا مؤسستهم من براثنها تبددت في الآفاق، كان الوطن هناك.

وليس هذا البشر باستعادة العملية التربوية في حد أدنى، مما تراه على أقلام صفوة الرأي والقلم. فكتب الصحافي عثمان ميرغني يشكو أن في البلاد 10 ملايين طالب في مختلف مراحل التعليم ترتبط حياتهم بتقويم دراسي محسوب بأعمارهم. فمن كانوا في سن بداية المدرسة عند اندلاع الحرب بلغوا الآن 11 سنة وهم أميون لا يفكون الخط، ولا يحفظون سورة “الصمد”. ومن كانوا في المرحلة الثانوية اقترب عمرهم من ميقات تخرجهم في الجامعة وتوجههم إلى سوق العمل، لكنهم لا يزالون متخلفين من أعمارهم وقد يفقدون القدرة على المواصلة حتى لو توقفت الحرب.

وجاء هذا الضرر على قلم عثمان في معرض نقده لإدارة الفريق ركن عبدالفتاح البرهان للبلاد. فقال إن السودان في حالة تيه كسفينة في عرض البحر. يطل الكابتن وهو البرهان على أهلها في زيارات مواضعها موثقة بالصور وخبر التلفزيون. وبعد الصور لا شيء سوى غرق في اليوميات والاستغراق في الذات”. وصعب أن يفهم المرء من عبارة عثمان أن البلاد التي شكا من ضعتها في حالة حرب وشيكة الدخول في عامها الثالث، وليس أداء البرهان وحده من زجها في حالة التيه. فما نحن فيه في حقيقة الأمر حرب عوان. يكفي من حقيقتها أن قسماً كبيراً من الـ10 ملايين من الفاقد التربوي في قول عثمان مما لا يملك معهم البرهان صرفاً ولا عدلاً لأنهم في مناطق تحت سيطرة قوات “الدعم السريع”. وهو بالكاد استعاد ولايات الخرطوم والجزيرة سنار وسنجة التي لا يعرف إن كان انعقد فصل دراسي فيها، إذا ما كانت لا تزال بيد “الدعم السريع”. وبغض النظر عن شفقة عثمان الحثيثة بالفاقد التربوي، فأمره في عبارته أمر احتجاج من دارج مما اعتدنا عليه في أزمنة السلم.

ودخل سوء مآل التعليم في شرط الحرب مادة عادية عند معارضة “حكومة بورتسودان”. فاتفق لياسر سعيد عرمان، زعيم “الحركة الشعبية الديمقراطية لتحرير السودان” والقيادي بمنظمة “صمود”، أن يذيع هذه المعارضة بعدما شاهد صورة لمدرسة في قرية شمال مدينة أروما بولاية البحر الأحمر كان زارها مسؤولون عن التعليم في الولاية. وكانت المدرسة عبارة عن “عشة” قائمة على أعمدة خشب وحيطانها من قش النواحي. وساءت عرمان كآبة المنظر ليقول إن طلقة الحرب إنما انطلقت من تلك المدرسة. وفي عبارة أخرى، رأى عرمان جذر الحرب الناشبة في تطفيف المركز في استحقاق الهامش من التعليم، كما بدا له من المدرسة العشة.

ولم ينشغل ياسر بالمدرسة أو التعليم في الحرب من بعد ذلك ليصوب سهامه ناقداً لحكومة بورتسودان. فأعاد القول في اتهام “الكيزان” ببدء الحرب للعودة للحكم. وأنهم من دبروا انقلاب الـ25 من أكتوبر 2021 على الحكومة الانتقالية ليعودوا لدسته. ثم اختلف حليفاهما في الانقلاب، القوات المسلحة و”الدعم السريع”، فاندلعت الحرب. وكان وقودها شباب عانى العطالة من إهمال الريف في التنمية ليجد الوظيفة في الخدمة العسكرية ضمن الميليشيات. فالتهميش، في قوله ياسر، ينجب الحروب. فظل المستفيدون من الدولة لا يزيدون على 15 في المئة من السودانيين حُرموا من طيب عيشهم مدرسة شمال أروما، التي هي على “مرمى حجر من بورتسودان وخيرات الذهب”. ودعا السودانيين في الخارج لمد يد المساعدة للمدرسة (الثاني من ديسمبر 2025).

ولا يعرف المرء من كلام ياسر أية خطة اتفقت لهم في “صمود”، إلى جانب دعوته للتبرع لمدرسة أروما، للتقليل من الآثار الكارثية للفاقد التربوي التي نوه بها عثمان ميرغني. ومن ذلك ربما تبني اقتراح عرضه عثمان نفسه منذ أيام بتضامن الجهود في المجتمع المدني لتيسير جلوس الطلاب داخل مناطق “الدعم السريع” لاختبار الشهادة الثانوية السودانية الوشيك. ونوه بالاقتراح شمس الدين ضو البيت، من صفوة “صمود”. وكانت سبقت محاولات في هذا الخصوص العام الماضي ولم تنجح لأسباب لا يسع المجال لذكرها هنا.

لم يسترع انتباه ياسر لا وجود مدرسة ربما حرم منها الآلاف في المناطق تحت سيطرة “الدعم السريع” حالياً وقبلها داخل المناطق التي تحررت من قبضته فحسب، بل إن هناك إدارة للتعليم لا تزال تتفقدها على هوان مبناها، واكتفى بتوظيف المدرسة الكئيبة لضخ نقد معاد عن الهامش والمركز صالح في كل زمان.

ويعرف ياسر دون غيره كلفة التعليم من الحرب. فسبق له خوضها في صف “الحركة الشعبية لتحرير السودان” منذ شبابه خلال منتصف الثمانينيات. وهي حركة لم تأذن بالتعليم حيث وطئت قدمها بلداً. ولم ينقذ التعليم في الجنوب إلا صمود الجيش في عواصم الولايات ومدن بور والبيبور وتوريت وكبويتا بعد هجوم الحركة الكاسح خلال عامي 1991-1992. بل قام الضباط والجنود ومجندو الخدمة الوطنية بالتدريس في المدارس لسد النقص. ويكفي أن ذلك الهجوم كان من وراء قرار جامعة جوبا الانتقال إلى الخرطوم حتى عودتها للمدينة بعد استقلال الجنوب بعد عقدين خلال عام 2011. ورحلت القوات المسلحة طلابها بالطائرات الحربية. وصار التعليم في الجنوب بصورة مهمة ظاهرة خرطومية، أي مركزية، فيأوي إلى المدينة منذ ترحيل مدرسة رمبيك الثانوية للخرطوم في الستينيات بعدما استحال عليها مواصلة التدريس في وجه حركة مسلحة أخرى للقوميين الجنوبيين آنذاك. فإن لم يثمن ياسر وجود مدرسة “عشة” كإنجاز في حرب حولت المدارس إلى مراكز إيواء للنازحين، فصعب القول إنه وقف بنفس لوامة على تجربته في الحرب، كما صح لمناضل قديم مثله.

ولا تغيب الحرب عن خطاب التعليم مثل غيابها في خطاب لجنة المعلمين اليسارية. فقضايا التعليم وأزمته في الحرب عندها مادة لمعارضة الحكومة أعفتها من ابتداع استراتيجية لصون كامل العملية التربوية بما في ذلك “المطلبية النقابية” التي اقتصرت عليها. ولهذه الغيبة وجهان، 1) مواصلة العملية التربوية مثل عقد اختبار أو آخر في مناطق سيطرة حكومة بورتسودان هو إعلان سياسي عن تمكنها حيث هي وشرعيتها لا علاقة لها بالتعليم. 2) سيادة العقلية النقابية القائلة إن المطالب بالمنافع تجب ما قبلها وما بعدها.

فاعترضت لجنة المعلمين على انعقاد اختبارات الشهادة الثانوية الجزئية (أي في مناطق سيطرة الحكومة) عام 2025 لاتهامها الحكومة بأنها لم ترد من عقدها إلا استخدام “سلاح التعليم” لتعزيز سلطانها داخل البلاد. فقالت قمرية عمر، من لجنة المعلمين، إن هذا قرار حكومة الأمر الواقع، حكومة بورتسودان، وهو سياسي ومرتجل وهدفه الادعاء في مواجهة الطرف الآخر بأن السودان آمن، وأن الحياة تسير بصورة طبيعية. وذهب آخر إلى أن ذلك هو تفكيك للبلاد وهو الهدف من إجراء هذا الاختبار الناقص. فالقرار، في قوله، “ليس قراراً إدارياً بريئاً، بل يعكس استراتيجية تتبناها هذه السلطة، التي تسيطر عليها عناصر من النظام المباد، لاستغلال التعليم كأداة لتعزيز نفوذهم السياسي والاجتماعي في مناطقهم المعروفة بـ’دولة النهر والبحر‘، وهي تقريباً الولايات التي جرى فيها الاختبار”. وخلص إلى أن تفاوت الفرص فريضة في صفوة هذه الدولة بعواقبه الوخيمة على وحدة السودان.

ومن سائر وجوه العملية التعليمية، من الجانب الآخر، تمترست لجنة المعلمين على “النقابية” في حدها المطلبي. فإذا كانت الحكومة جادة في استعادة العملية التعليمية، ضمن تصريح صحافي لسامي الباقر من لجنة المعلمين خلال الـ23 من يناير 2025، فعليها اتخاذ خطوتين “أولاهما صرف كل المتأخرات فوراً، بما فيها الرواتب والبدلات والعلاوات والمنح، والثانية هي تعديل الرواتب بصورة تتماشى مع الواقع المعيشي الجديد. من دون هذا سيظل موضوع انتظام العملية التعليمية عبارة عن بالونة سياسية”. فكشفت دراسات أجرتها لجنة المعلمين أن “جميع المعلمين يعيشون حالياً تحت خط الفقر لأن أجورهم لا تكفي مصروفات أسرهم”. وقدرت أن 60 في المئة من المعلمين غير راغبين في مواصلة المهنة، ولم تسفر لجنة المعلمين حتى عن شفقة والعملية التعليمية تتسرب من أيدينا في شرط الحرب. وبدت مطالبها لاستمرار عضويتها في التعليم قريبة من الابتزاز، لا عاملاً لتحسين الخدمة في ظرف استحال التعليم نفسه فيه.

نعود لمؤسسة أبو ذر مبارك الكودة

احتفلت دوائر واسعة من خصوم “حكومة بورتسودان” بالحكم الصادر من محكمة مصرية خلال السادس من يناير الماضي على الدكتور أبو ذر الكودة بالسجن والغرامة بتهمة النصب والاحتيال، لأنه سجل طلاباً للاختبار وفشل في توفير أرقام الجلوس لهم بعد دفع الرسوم. وسرعان ما نقضت محكمة أعلى هذا الحكم خلال الـ18 من يناير الماضي وقضت ببراءة أبو ذر. وليس هذا بالشاغل هنا. فما طربت له تلك الدوائر من الحكم أنه وقع على ما عدوه أخاً مسلماً، سليل أسرة مظنون أنها كيزان صرف. وهذا تجديف. فأبوه أخ مسلم ذو خطرات مستقلة، وعمه يتزعم حزباً إسلامياً كان معارضاً لحكومة الإنقاذ، وعمه الآخر ذو سابقة شيوعية وكان في فريق تهريب المرحوم عبدالخالق محجوب، سكرتير الحزب الشيوعي، من معتقله في سلاح الذخيرة بالخرطوم خلال يوليو 1971. ولا تزر وازرة وزر أخرى. وليست سياسة أبو ذر عنوانه حتى لو كان كوزاً. فلأبو ذر، الذي لم يتجاوز الـ30 عاماً بقليل، مؤسسة تعليمية للطلاب في السودان (خمس في الخرطوم، ومدرسة في عطبرة) ولها مدارس للمغتربين والنازحين في مصر (ثلاث) وفي السعودية (ست). فما وجه الفرح لمصاب مثله من كان في طليعة من استعادوا العملية التعليمية في القطاع الخاص، وبهذه الغزارة؟ قدر الله ولطف.

وشدا كورال طلاب مؤسسة أبو ذر في ليلة عيد المعلم، يثمن تحمل المعلمين صنوف ضيق العيش لأجلهم:

ناسين وراكم هم بيوت

يمكن يكون ما فيها قوت

لكن دوام مستبشرين

سلام سلام يا معلمين

مرحب سلام يا معل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى