زلزال في قمة السلطة: سقوط نفوذ واستباحة دولة باسم المنصب

بقلم: محمد عثمان الرضي

لم تعد استقالة عضو مجلس السيادة السوداني سلمي عبدالجبار مجرد خبر سياسي عابر، بل تحولت إلى صفعة مدوية على وجه منظومة ظلت تتستر خلف شعارات النزاهة بينما تمارس أبشع صور استغلال النفوذ.

القضية لم تكن سوء تقدير إداري، بل نموذج فج لكيفية توظيف الموقع السيادي لترهيب موظف بسيط في مصلحة الأراضي بولاية الخرطوم، في مشهد يكشف اختلال ميزان العدالة داخل مؤسسات يفترض أنها محكومة بالقانون لا بالأمزجة.

حين يتجرأ مسؤول في قمة هرم الدولة على التدخل لصالح مصلحة ما، فإن الرسالة التي تصل إلى الموظفين واضحة: إما الانصياع أو المخاطرة بالوظيفة والمستقبل.

هذه ليست واقعة معزولة، بل انعكاس لثقافة متجذرة ترى في المنصب تفويضاً مفتوحاً للتدخل والضغط وفرض الإرادة.

سنوات طويلة ظل فيها صغار الموظفين يدفعون ثمن صمتهم، يوقعون على قرارات لا يقتنعون بها خوفاً من بطش نافذ أو انتقام مسؤول.

استغلال النفوذ أصبح عند بعض كبار رجالات الدولة ممارسة اعتيادية، تُدار عبر اتصالات هاتفية وتعليمات شفوية لا تترك أثراً مكتوباً ولكنها تترك جروحاً عميقة في جسد الخدمة المدنية.

الضجة الإعلامية التي فجرت القضية لم تكن تهويلاً، بل كانت كاشفاً لواقع قبيح ظل كثيرون يتجنبون الاقتراب منه.

الاستقالة جاءت تحت ضغط الفضيحة، لكنها لا تمحو الفعل ولا تمسح آثار الترهيب الذي سبقها.

ما حدث يضع علامات استفهام ضخمة حول حجم التدخلات التي لم تُكشف بعد، وكم من حقوق ضاعت تحت غطاء “التوجيهات العليا”.

النفوذ حين يتحول إلى سوط مسلط على رقاب الموظفين يصبح أخطر من أي فساد مالي، لأنه يشرعن الخوف ويقتل روح الاستقلال المهني.

الهزيمة هنا ليست شخصية فقط، بل سقوط لهيبة منصب سيادي حين يُستغل لخدمة مصالح ضيقة.

الدولة التي تسمح لمسؤوليها باستخدام سلطتهم للضغط على مؤسساتها تقوض أسسها بيدها.

الرسالة التي التقطها الشارع واضحة: لا أحد معصوم من المساءلة حين تنكشف الحقيقة.
غير أن الشارع نفسه يدرك أن المعركة لم تنتهِ، وأن استقالة واحدة لا تكفي لاقتلاع جذور شبكة نفوذ مترامية الأطراف.

الخدمة المدنية التي أنهكها التدخل السياسي تحتاج إلى ثورة تصحيح حقيقية لا بيانات تبريرية.

تحصين الموظف البسيط من بطش الكبار يجب أن يصبح أولوية وطنية، لا شعاراً موسمياً عند وقوع الفضيحة.

المؤسسات العامة ليست ضيعات خاصة توزع امتيازاتها وفق الولاء والقرب من دوائر القرار.

حين تتحول بعض الإدارات إلى ملكيات شبه خاصة تديرها أسماء نافذة، فإن العدالة تصبح ضحية أولى.

المحاسبة الحقيقية تبدأ بكشف كل تفاصيل الواقعة للرأي العام، لا الاكتفاء بإعلان الاستقالة وإغلاق الملف.

أي محاولة لتمييع القضية ستعني ضوءاً أخضر لمزيد من التغول مستقبلاً.

الدولة القوية لا تخشى التحقيق، بل تعززه لأنه يرسخ الثقة ويعيد الاعتبار للقانون.

أما الدولة التي ترتبك أمام فضيحة نفوذ، فإنها ترسل إشارة ضعف تشجع على التمادي.

سقوط مسؤول سيادي تحت ضغط الرأي العام يثبت أن الصوت الحر أقوى من سطوة المنصب.

لكن الخطر الحقيقي يكمن في اعتبار ما حدث استثناءً نادراً، بينما هو في نظر كثيرين رأس جبل جليد.

المعركة اليوم ليست مع شخص بعينه، بل مع عقلية ترى في السلطة امتيازاً فوق المحاسبة.
هي معركة لإعادة تعريف المنصب العام بوصفه تكليفاً لا تشريفاً، ومسؤولية لا سيفاً مسلطاً على الضعفاء.

كل موظف تعرض للضغط أو التهديد ينتظر أن يرى إجراءات صارمة لا مجاملات سياسية.

وكل مواطن يتابع المشهد يريد أن يطمئن إلى أن القانون ليس مجرد نصوص معلقة على الجدران.

التاريخ لا يرحم أنظمة تساهلت مع استغلال النفوذ، بل يسجلها كنقاط سوداء في مسارها.

اللحظة الحالية فرصة فاصلة، إما أن تتحول إلى بداية اقتلاع حقيقي لفساد النفوذ، أو تصبح حادثة عابرة تبتلعها الذاكرة.

إن لم تُفتح الملفات بلا خطوط حمراء، فإن الرسالة ستبقى مشوشة، وسيظل الخوف سيد الموقف في المكاتب المغلقة.

الكرة الآن في ملعب الدولة: إما أن تثبت أن لا أحد فوق القانون، أو تترك الباب موارباً لعودة الاستباحة بأسماء جديدة ووجوه مختلفة.

Exit mobile version