القرن الأفريقي بين إعادة التموضع الإقليمي… والسودان في قلب العاصفة
Mazin
د. عبدالعزيز الزبير باشا…
ليس ما يجري في القرن الأفريقي اليوم مجرد تفاعلات حدودية أو أزمات داخلية متفرقة. نحن أمام لحظة إعادة تشكيل نفوذ إقليمي واسع، تتداخل فيها الحسابات الأمنية بالممرات البحرية، ويتقاطع فيها ملف النيل مع أمن البحر الأحمر، وتتداخل فيها إرادات القوى الإقليمية مع هشاشة بعض الدول المركزية. وفي قلب هذه المعادلة يقف السودان — لا كمتفرج، بل كساحة اختبار لموازين القوى الجديدة.
من منظور سوداني وطني واضح، لا يمكن قراءة المشهد باعتباره “نزاعًا داخليًا” فحسب. ما يجري هو صراع على من يحدد مستقبل الدولة السودانية، ومن يملك قرارها السيادي، ومن يعيد رسم موقعها في الإقليم.
السودان: الدولة المفصل
السودان ليس دولة هامشية في القرن الأفريقي. جغرافيته، عمقه النيلي، إطلالته على البحر الأحمر، وامتداده التاريخي نحو غرب وشرق أفريقيا، كلها عناصر تجعل منه حجر الزاوية في أي معادلة إقليمية. لذلك، فإن أي اهتزاز داخلي فيه يفتح شهية الفاعلين الإقليميين والدوليين لإعادة التموضع.
الحرب التي اندلعت منذ عام 2023 أضعفت الدولة المركزية، وخلقت فراغات نفوذ تحاول أطراف متعددة ملأها، كل وفق مصالحه الخاصة. وهنا تكمن الخطورة: حين تتحول الأزمة الوطنية إلى منصة صراع بالوكالة، يصبح القرار الوطني عرضة للتآكل التدريجي.
المدخل الصحيح — من منظور داعم للسودان — هو استعادة السيادة الفعلية، لا الشكلية. السيادة لا تُستعاد بالبيانات، بل بفرض احتكار الدولة لاستخدام القوة، وبمنع أي تدخل خارجي مباشر أو غير مباشر في المعادلة الداخلية.
مصر: تعديل وزاري ورسائل إقليمية
في هذا السياق، جاء التعديل الوزاري الواسع في مصر ليعكس إعادة ترتيب أولويات داخلية وخارجية. إعادة توزيع الحقائب، واستحداث وزارات، وتحريك مواقع سيادية، كلها مؤشرات على رغبة القاهرة في تعزيز أدوات إدارتها للملفات الحساسة، وعلى رأسها الأمن القومي الإقليمي.
القاهرة تنظر إلى السودان باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي. استقرار السودان بالنسبة لها ليس مسألة تضامن، بل ضرورة استراتيجية. لكنها، في الوقت ذاته، تسعى إلى أن يكون هذا الاستقرار متسقًا مع حساباتها الخاصة، خصوصًا فيما يتعلق بملف النيل وأمن الحدود.
من منظور سوداني عقلاني، العلاقة مع مصر ضرورة جيوسياسية، لكنها يجب أن تُدار بندية واضحة. الدعم مرحب به، لكن القرار النهائي يجب أن يبقى سودانيًا خالصًا.
السعودية: استقرار البحر الأحمر أولاً
التحركات السعودية وزيارات مسؤوليها إلى المنطقة تعكس اهتمامًا متزايدًا بأمن البحر الأحمر وممراته الحيوية. الرياض تدرك أن أي اضطراب في السودان أو القرن الأفريقي ينعكس مباشرة على معادلة الأمن البحري، وعلى استثماراتها ومشاريعها الكبرى.
السعودية تميل إلى مقاربة تقوم على دعم الاستقرار ومنع الانهيار الشامل، مع الحفاظ على شبكة علاقات متوازنة. بالنسبة للسودان، تمثل الرياض شريكًا محتملًا مهمًا، لكن الشراكات الناجحة لا تقوم على الارتهان، بل على وضوح المصالح المتبادلة.
تركيا: نفوذ طويل الأمد
أما تركيا، فقد انتقلت في السنوات الأخيرة من مرحلة الحضور الرمزي في القرن الأفريقي إلى مرحلة التمركز الاستراتيجي. حضورها في الصومال، وتوسيع علاقاتها مع إثيوبيا، واستثماراتها في البنية التحتية والتدريب العسكري، كلها مؤشرات على مشروع نفوذ طويل النفس.
أنقرة تعمل بعقلية تراكمية: اقتصاد، تدريب، أمن، ثم شراكات سياسية. والسؤال بالنسبة للسودان ليس هل يتعامل مع تركيا أم لا، بل كيف يتعامل معها دون أن يتحول إلى ساحة تنافس بين محاور متعارضة.
القرن الأفريقي: تنافس بلا فراغ
الواقع الصريح أن القرن الأفريقي لم يعد يقبل الفراغ. كل مساحة غير محصنة داخليًا تُملأ خارجيًا. وكل دولة ضعيفة تتحول إلى نقطة ارتكاز لمشاريع الآخرين.
السودان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يستعيد زمام المبادرة ويعيد بناء مؤسساته الأمنية والسياسية على أسس صلبة، فيتحول إلى فاعل في الإقليم؛ أو يبقى ساحة مفتوحة لتقاطعات المصالح، يدفع ثمنها من سيادته ووحدته.
الرهان الحقيقي ليس على من يزور المنطقة أكثر، ولا على من يعقد مؤتمرات دعم، بل على قدرة الدولة السودانية على توحيد جبهتها الداخلية، وإنهاء مظاهر السلاح خارج إطارها، وبناء رؤية خارجية واضحة لا تتأرجح بين المحاور.
الخلاصة
القرن الأفريقي يدخل مرحلة إعادة تشكيل. مصر تعيد ترتيب أدواتها. السعودية تعزز حضورها البحري والإقليمي. تركيا توسع نفوذها المنهجي. وفي الوسط يقف السودان، إما أن يكون مركز ثقل، أو منطقة تنازع.
من منظور وطني سوداني، الطريق واضح: سيادة كاملة، قرار مستقل، وشراكات متوازنة تُبنى على المصالح لا المجاملات.
وفي عالم لا يحترم إلا الأقوياء، لا بد للسودان أن يعود دولة قادرة، لا ساحة مفتوحة….