العبيد أحمد مروح
تكاد تكون القوى السياسية والمجتمعية في السودان قد وصلت الآن إلى حالة الشلل والافلاس الفكري والبرامجي، فبرغم الأزمات المتطاولة التي تستفحل كل يوم، لا نكاد نجد عندها طرحاً متماسكاً يأخذنا نحو المستقبل .. الكل مستغرق في انقسامات داخلية وصراعات بينية تقوم بنيتها الأساسية على اجترار الماضي ومراراته، ولا نكاد نجد بينها من يستشرف المستقبل ويرسم مساراً يجذب حوله السالكين.
إن التشبيه الأقرب للذي يحدث في السودان منذ 2011 وحتى الآن، هو أننا نعيش حالة “زلزال بركاني إجتماعي” ظل يضرب في أعماق المجتمع السوداني منذ زمن بعيد، فأحدث أثره الأول، وما تزال هزاته الارتدادية تتوالى، فيرتطم هذا الجزء من الأرض بآخر ليحدث مزيداً من التشظي، أو يلتصق هذا الجزء بذاك ليشكلا كتلة لم تأخذ أبعادها النهائية بعد، ومع هذا يجوز القول أن “الكتلة الأكبر” لم تبرز ملامحها الواضحة حتى الآن، وإن بدت تلك الملامح آخذة في التشكل.
بمنطق الجيولوجيا يحدث الزلزال نتيجة انزلاق مفاجئ للصفائح التكتونية تحت الأرض، مما يطلق طاقة هائلة على شكل موجات زلزالية تهز القشرة الأرضية، و يؤدي ذلك إلى اهتزاز الأرض، و تشقق السطح، وقد يتسبب في انهيارات أرضية، أو تغيير مجرى الأنهار، وأحيانًا تسونامي، بالإضافة إلى تدمير المباني، وقد تتغير نتيجة لذلك الخرائط فتزداد مساحة اليابسة هنا وتقل هناك وقد تختفي بعض مساحات اليابسة أو تصبح غير صالحة للحياة الآدمية. وبإسقاط منطق الجيولوجيا على المجتمعات، ودون الخوض في تفاصيل كثيرة، نستطيع القول أن انزلاق الصفائح التكتونية في السودان نتج عنه في العام 2011 خروج سكان ثلث مساحة البلاد، ليستقلوا بدولة خاصة بهم، بينما بقيت “الهزات الارتدادية” تعتمل في جوف المجتمع السوداني وتبرز منها تصدعات بدرجات متفاوتة على سطحه، كما حدث في 2013 وفي 2019م، لكن الانزلاق الأكبر هو ما حدث في 15 أبريل 2023 وأدى إلى تصدعات عميقة ما تزال تعتمل في المجتمع السوداني.
لم تكن مجتمعات السودان الذي تشكل بجغرافيته في 1821م، مجتمعات متجانسة، ولم يسهم حكم المهدية الذي أعقب التركية، ولا الحكم الحكم البريطاني الذي أعقب المهدية في صهر تلك المجتمعات في نسيج ثقافي واحد ولا هوية وطنية متماسكة، بل على العكس، أسهم حكم المهدية والحكم الاستعماري الذي تلاه، إما في إنقسامات مجتمعية حادة أو في عزل أجزاء واسعة من البلاد عن بعضها الآخر والابقاء على حالة الفصل الثقافي والتهميش، إلى الدرجة التي ظلت فيها مجتمعات شرق السودان وجنوبه وغربه منكفئة على ذاتها ولا تشعر بأن الدولة الوطنية بعد الاستقلال تعبر عنها أو تستجيب لطموحاتها.
ولم تبذل النخب السياسية التي ورثت الحكم عن المستعمر جهداً يذكر في توليد مشروع وطني يجمع شتات تلك المجتمعات فيوحـد وجدانها الثقافي، ويعزز إنتماءها لهوية وطنية واحدة، ولم تتبع تلك النخب نموذجاً تنموياً يوظف ثروات البلاد المتعددة لصالح التوسع المعرفي والنهوض الاقتصادي ويربط بين أطراف البلاد المترامية بالطرق البرية والسكك الحديدية حين كان تمويل البنى التحتية على قارعة المنح الدولية، وبدلاً من ذلك غرقت تلك النخب في صراعات لا نهائية حول السلطة المركزية، بين تعددية مشلولة وعاجزة، أصطلح على تسميتها بــ”الديمقراطية”، وحكم شمولي يأتي فى أعقاب انقلاب عسكري على تلك الديموقراطية ثم يطيح به حراك شعبي واسع أصطلح على تسميته بــ”الثورة”، كما حدث في أكتوبر 1964 وأبريل 1985 وأبريل 2019، وفي الأثناء تُركت الأطراف تأكل من سنامها حتى أكلت دابة الأرض منسأتها.
حين نال السودان استقلاله في العام 1956 كان يهمين على الساحة السياسية في مركز السلطة تياران رئيسيان، تيار الاستقلال بزعامة حزب الأمة ورعاية طائفة الأنصار، وتيار الإتحاد مع مصر بحزبين إنصهرا لاحقاً في الحزب الإتحادي الديمقراطي برعاية طائفة الختمية، فصار في البلاد حزبان كبيران، مع وجود حزبين صغيرين هما الحزب الجمهوري والحزب الشيوعي. وكان في جنوب السودان حزبان أيضاً هما الحزب الليبرالي والحزب الفيدرالي؛ ولم يمض عقد واحد من الزمان على عمر الاستقلال حتى ظهرت أحزاب أو تيارات فكرية في الوسط وأخرى جهوية في شرق السودان (مؤتمر البحا) وفي دارفور (جبهة نهضة دارفور) وفي جبال النوبة.
وبعد سبعين عاماً من الاستقلال، تضاعف عدد الأحزاب السياسية والحركات التي تحمل السلاح عشرة أضعاف أو يزيد .. وبدلاً من أن يكون التنافس و “الصراع” حول القضايا والبرامج، ومحصوراً بين أصحاب التوجهات السياسية والتيارات الفكرية المختلفة، أضحى بين أصحاب التوجه الواحد وداخل كل واحد من الكيانات السياسية، فانقسم الأمة إلى أحزاب وكذا الاتحاديون والشيوعيون والإسلاميون ولم تقتصر عدوى التشظي على أصحاب الفكر السياسي وحدهم بل امتدت لتشمل ما سمي بحركات الكفاح المسلح التي حملت السلاح في وجه السلطة المركزية لأجل قضية محددة، ثم ما لبثت أن تلبستها روح الانقسام فتكاثرت أميبياً في غضون عقد أو عقدين من “النضال”. وهكذا لم تكن حرب الخامس عشر من أبريل 2023 سوى الانزلاق التكتوني الأكبر والذي نتج عنه التصدع الأكبر، حيث لن يعود السودان بعده كما كان قبل ذلك، خاصة وقد بلغ “الإرهاق الخلاق” بالقوى السياسية والفكرية والمجتمعية مداه، واندق بين عناصرها الداخلية إسفين الانقسام بحيث لم يعد بعضها يصلح أن يلتئم حتى مع جزئه المنقسم، ولهذا فقد جاز القول أن التيار العام الذي التف حول القوات المسلحة وسندها في المعركة الوجودية الحالية هو الأقرب إلى التشكل والانصهار في كتلة واحدة تختلف في ملمحها وهويتها عن جميع الأشكال التي كانت قائمة.
ملامح الكتلة الأكبر التي بدأت في التشكل هي تيار وطني غير مؤدلج يجمع تحت سقفه ذوي خلفيات فكرية مختلفة فيها من اليمين واليسار ومن الوسط ومن غيرهم، وفيها من الغرب والشرق والجنوب والشمال والوسط، يتوحدون حول فكرة مركزية خلاصتها أن سقف الوطن يجب أن يعلو فوق ما سواه من سقوفات، وأن مستقبل السودان يجب أن يحدده أبناؤه وشبابه المعنيين بهذا المستقبل، لأنهم يستحقون وطناً يفاخرون به، وهم بذلك جديرون …
نواصل.