زلزال السودان .. هل اقتربنا من تشكيل الكتلة الأكبر (2-2)
Mazin
العبيد أحمد مروح
نحو العام 1986، على أيام ما عرف بالديمقراطية الثالثة، ذهبت وصديقي الراحل ماجد يوسف – وكنا صحفيين في بداية مشوار المهنة – لأخذ تصريح من أحد قادة الأحزاب الجنوبية، حول قضية بعينها، وكنا نعرف أنه في مواقفه السياسية أقرب إلى “حركة التمرد” بزعامة جون قرنق، وعلى هامش التصريح فتحنا نقاشاً حول الحرب التي تدور في الجنوب وجذور المشكلة، فقلنا له إن الاستعمار البريطاني هو الذي صنع الفجوة بين شمال السودان وجنوبه وعمّقها عندما سن قانون المناطق المقفولة، وقد كنا ننتظر أن يؤكد مضيفنا على هذه النقطة، لكنه فاجأنا بسؤال وقفنا عاجزين عن الإجابة عليه، قال لنا: الاستعمار رحل عن السودان قبل ثلاثين عاماً، فماذا فعلت الحكومات الوطنية لتزيل آثار الاستعمار، وتردم الهوة بين الجنوبيين والشماليين؟
تذكرت تلك الواقعة بين يدي هذا الجزء الثاني من مقال “زلزال السودان” وقد كنت استدعيت في جزئه الأول مثال الجيولوجيا لأرسم صورة للأوضاع في السودان، الدولة والمجتمع، منذ تكوين الدولة الحديثة في العام 1821م على يد ما عرف بالحكم التركي، وقلت إن الأنظمة والحكومات التي تعاقبت على حكم البلاد منذ سبعين عاماً لم تنجح في صهر المجتمع السوداني المتنوع في بوتقة وطنية واحدة، ولم تعالج العلل والأمراض التي ورثها السودان المستقل عن العهود الاستعمارية، مما أورثنا الحالة التي نحن عليها الآن. فكرة هذا المقال والذي سبقه، ليست هي نبش الماضي أو البكاء على الأطلال، ولكنها محاولة للنظر لتجاربنا في الحكم الوطني من زاوية ربما تكون مختلفة، لاستخلاص العـبر والتأسيس على تلك الخلاصات لاستشراف المستقبل، والبدء في مسارٍ للتعافي قد يطول، لكنه بالغ منتهاه إن خلُصت النوايا.. ولأن هذه القضية من التشعب والتعقيد بحيث يستحيل عرضها في مقال رأي أو حتى دراسة واحدة، رأيت من المناسب أن أعرضها في شكل أفكار وخلاصات رئيسية، الهدف منها التمهيد لنقاش أوسع يصوب النظر نحو المستقبل، وأرجو أن أوفق فيما سأعرضه من استخلاص مستفيداً من التعليقات والملاحظات التي أثارها الجزء الأول من المقال.
الخلاصة الأولى هي أننا أمة تجمع بين نقيضين .. بين بلدٍ له حضارة ضاربة في القدم منذ ماقبل الميلاد، وله إسهامه في الحضارة البشرية، كما أنه عرِف الممالك وأنظمة الحكم المستقرة، لكن نسقه الحضاري لم يكن متصلاً .. وبين بلدٍ ظل موطن هجرات متتالية بسبب عوامل طبيعة أو بشرية أو دينية، ماتزال قيم الحكم المستقر والتداول السلمي للسلطة غير مترسخة بين سكانه .. وقد لعب الموقع الجيوسياسي للبلاد، وما تتمتع به من ثروات فوق الأرض وفي باطنها، دوراً بارزاً في التنافس عليه، وفي عدم الاستقرار الذي لازم تجربته، كما لعبت الأطماع الخارجية – منذ ما قبل الميلاد وإلى يومنا هذا – دوراً فاعلاً كذلك ، ومن أسف فإن تجارب الحكم الوطني طوال سبعين عاماً، لم تنجح في نشر الوعي الثقافي بين مكونات هذا المجتمع الهجين وتوحيد الشعور لديه بالانتماء إلى أمة واحدة، وبقيت غالب شعوب السودان وقبائله منكفئة على ذاتها لا تعرف عن شركائها في الوطن، ولا يعرف عنها شركاؤها، إلا القليل!! الخلاصة الثانية هي أن الحال الذي نحن فيه اليوم – دون الاسترسال في وصفه – هو حصاد تجربة، ونتيجة تراكم أخطاء تتفاوت أحجامها، أُرتكبت خلال سبعين عاماً من الحكم الوطني، بعضها كان نتيجة إهمال لمشكلات ورثناها من الاستعمار، وبعضها كان عمداً وبعضها كان نتيجة عرضية، ومن المنطقي أن يكون لكل نظامٍ حَكَم السودان، ولكل نخبة أنتجت ذلك النظام أو شاركت في مسيرته، نصيباً من نتائج تلك الأخطاء، وبطبيعة الحال كذلك، أن نُحمِّل كل نظام نصيبه بقدر المدة التي بقيها وهو يدير شؤون البلاد والعباد.
الخلاصة الثالثة هي أنه ما من “قوى حيـة” سياسية أو نقابية أو عسكرية، إلاّ وشاركت بنصيب في حكم السودان، بغض النظر عن حجم تلك المشاركة، أو كان لها بالمقابل نصيب في معارضة الأنظمة التي تعاقبت على الحكم.. ينطبق ذلك على أحزاب الاستقلال، أو ما كان يُعرف بالأحزاب التقليدية، ممثلة في حزبي الأمة والإتحادي، وينطبق على أحزاب اليسار من شيوعيين وقوميين، وعلى أحزاب الإسلاميين بمختلف مسمياتها، وعلى الحركات المطلبية الجهوية من مختلف أطراف السودان ومن مناطقه التي خضعت لقانون المناطق المقفولة .. والحال كذلك، فإن للذين حكموا أو الذين عارضوا من الخارج أو حملوا السلاح في وجه السلطة المركزية، نصيب مما نحن فيه اليوم، بقدر مشاركتهم أو معارضتهم. وأخذاً بما جاء في الخلاصات أعلاه، فإن أولى الخطوات في مسار التعافي الطويل، هي الإقرار من قِبل الجميع، بأننا أمة متنوعة، ثقافياً وعرقياً وحتى دينياً، وأن الجميع لهم نصيب من المسؤولية فيما انتهينا إليه حتى لو جاء ذلك من باب الصمت إزاء الأخطاء، وعليهم دور في مراجعة مسيرتهم ، ونقد ذواتهم، وتصحيح تلك الأخطاء لا بهدف جلد الذات ولا لنشر الغسيل المتسخ، ولكن لتعبيد الطريق نحو المستقبل .. إن تجارب الأمم والشعوب التي مرت بمثل ما مررنا به من حروب أهلية وانقسامات، تسمي ذلك بــ”الحقيقة والمصارحة” المفضية إلى المصالحة، وهي تجارب لها منهجها وأسلوب عملها، ويمكننا الإفادة منها إن رغبنا، بل يمكننا أن نؤسس لتجربة خاصة بنا، ونضع بَصمتَنا كشعب بحيث تُضاف التجربة السودانية – في حال قامت – لتجارب الإنسانية التي سبقت.
الإقرار بالأنصبة في الحصاد المر لتجارب الحكم والمعارضة التي أورثتنا ما نحن فيه، يستلزم التوصل لمعادلة صفرية، فيها تعلن كل القوى التي كان لها نصيب في هذا الحصاد بأن تضع طموحاتها للوصول إلى كرسي السلطة في ثلاجة الوطن، مؤقتاً، وأن تنخرط في التأسيس لمسار مستقبلي يقوده الشباب، الذين تخف عن ظهورهم حمولات الماضي وصراعاته العدمية، والذين حملوا أرواحهم على أكفهم للدفاع عن الوطن والمواطنين في وجه الهجمة التي كانت تريد إقتلاع الشعب من أرضه، ليتصدروا هم مشهداً إنتقالياً يشاركون في رسم ملامحه، وفي إعادة “المجتمع المدني” السوداني من حالة الاختطاف التي يعيشها منذ سنوات، ولهم أن يستفيدوا مما بقي لدى الكبار من موروث الحكمة وخلاصات تجارب الفشل السابقة، وبهذا نكون قد أتحنا للقوى السياسية التي فقدت بريقها أن تعيد تقديم نفسها للناس، وأن تتهيأ للمنافسة في جولات الانتخابات التي تعقب الانتقال. إن الفلسفة التي قام عليها الانتقال الحالي، المستمر منذ سبع سنوات، هي فلسفة إقصائية تذهب نفس مذاهب تجارب الفشل والصراع السابقة، وتخدم مخططات التقسيم واستدامة الصراع، ولهذا لا ينبغي لها أن تستمر، فمكانها الطبيعي هو مزبلة التاريخ اليوم قبل الغد .. والفسلفة التي نرى أن يُؤسَّس عليها الانتقال الجديد ينبغي أن تقوم على قاعدة الاعتراف بالتقصير والاقرار بالمساهمة في الفشل السابق والرغبة في تصحيح الأخطاء، وبهذا الوصف سنجد أن “الكل مشارك” إلاّ مَن يُكابر، وستتسع نظرتنا لندرك أن الشعب السوداني غير المنخرط في صراعات الحكم أكبر حجماً وأوسع نطاقاً ممن ظلوا يحتكرون الفعل السياسي، وأنه أحق بأن يفرز قيادته ويتولى زمام أمره.
أما كيفية الانتقال من الوضع الراهن إلى وضع التأسيس الانتقالي الذي نتحدث عنه، فبالإمكان أن يحدث بواحد من طريقتين، الأولى أن يتنادى نفر من أصحاب البصيرة والرأي، بمبادرة ذاتية، لبحث الفكرة وإنضاجها وجمع الناس حولها، وعند اكتمال التصور يتم بحثه مع قيادة الدولة، ووضع الخطة اللازمة لإنفاذه، والثانية أن تلتقط قيادة الدولة الحالية، بصفتيها الدستورية والعسكرية، الفكرة وتبحث فيها بجد وعزيمة، وستجد من بين أبناء السودان – ممن لا يرغبون في مغنم، وهم كُثـُر – مَــن يعينها على وضعها موضع التنفيذ.