حرب الجغرافيا البحرية وتآكل الأطراف، من هرمز إلى باب المندب
Mazin
موطئ قلم
د. أسامة محمد عبدالرحيم
في نماذج الحروب الحديثة تبرز حقيقة أن هذه الحروب لم تعُد تُخاض فقط على حدود الدول، كما لم تعُد تُقاس فقط بحدود الجغرافيا المباشرة أو بخطوط الاشتباك التقليدية بل بات من الممكن أن تُدار من مفاتيح الجغرافيا الحيوية والممرات الاستراتيجية، حيث يمكن تحويل الممرات البحرية من خطوط عبور إلى أدوات صراع وإعادة تشكيل للنفوذ، كما يمكن خلط القوة العسكرية بالاقتصاد.
وفي المواجهة الإيرانية من جهة، الأمريكية–الإسرائيلية من جهة أخرى، يبدو أن المضائق البحرية بدأت تتحول إلى أدوات ضغط استراتيجية قادرة على إعادة تشكيل موازين القوى. وفي هذا السياق، فإن أي إغلاق محتمل لمضيق هرمز من قبل إيران لا يمكن النظر إليه كحدث معزول، بل كحلقة في سلسلة ارتدادات قد تمتد سريعًا إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي، عبر سيناريو موازٍ يتمثل في تهديد أو إغلاق باب المندب بواسطة الجماعات الموالية لطهران، وعلى رأسها جماعة الحوثي في اليمن.
إن مضيق هرمز يمثل الشريان الرئيسي لتدفقات النفط الخليجية إلى الأسواق العالمية، وأي تعطيل فيه يخلق صدمة فورية في أسعار الطاقة، ويُربك سلاسل الإمداد، ويدفع القوى الدولية إلى البحث عن بدائل ومسارات التفافية. غير أن هذه البدائل، وفي مقدمتها خط البحر الأحمر–قناة السويس، لا تمثل مخرجًا آمنًا بالضرورة، إذ تصبح هي الأخرى عرضة للضغط إذا ما تم تفعيل جبهة باب المندب، بما يحوّل الأزمة من “اختناق موضعي” إلى “شلل بحري مزدوج”.
وفي هذا السيناريو المحتمل، قد يتحول باب المندب من مجرد ممر ملاحي إلى نقطة ارتكاز استراتيجية في الحرب غير المباشرة، حيث تمتلك الجماعات الموالية لإيران القدرة – ولو بشكل غير متكافئ – على تعطيل الملاحة عبر مزيج من التهديدات البحرية والجوية، بما يخلق بيئة مخاطر مستمرة ترفع كلفة التأمين إلى مستويات غير محتملة. وهنا لا يكون الإغلاق بالضرورة إغلاقًا كاملاً، بل يكفي “الإغلاق الوظيفي” الذي يجعل المرور محفوفًا بالمخاطر، فيدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها أو تقليص نشاطها.
وتكمن خطورة هذا الوضع في أنه يخلق حلقة ضغط متكاملة؛ فإغلاق هرمز يدفع التدفقات نحو البحر الأحمر، بينما يؤدي تهديد باب المندب إلى إغلاق هذا المسار البديل، لتجد التجارة العالمية نفسها أمام خيارات مكلفة ومعقدة، مثل الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، بما يضاعف زمن الرحلات وتكاليف النقل والتأمين، ويعيد تشكيل خريطة التجارة العالمية مؤقتًا أو حتى بشكل ممتد.
ومع اتساع دائرة التأثير وفي امتدادٍ طبيعي لحلقة الضغط هذه، لا تقف تداعيات هذا السيناريو عند حدود البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بل تمتد لتطال مراكز الثقل الإقليمي والدولي على حد سواء. فمصر، التي تعتمد بشكل كبير على استقرار الملاحة في قناة السويس كمصدر رئيسي للعملة الصعبة، ستكون من أكثر الدول تضرراً في حال تراجع حركة العبور نتيجة تهديد باب المندب، مما يعني انخفاضاً مباشراً في عائدات القناة وازدياد الضغوط على اقتصادها. أما المملكة العربية السعودية، ورغم امتلاكها منافذ بديلة جزئياً عبر البحر الأحمر، فإن أي اضطراب متزامن في هرمز وباب المندب يضع صادراتها النفطية وسلاسل إمدادها أمام مخاطر مركبة، ويعيد طرح تحديات أمن الطاقة على نحو غير مسبوق. وعلى المستوى العالمي، فإن هذا السيناريو يعني عملياً تعطل أحد أهم شرايين التجارة الدولية، بما يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويزيد من معدلات التضخم، ويضغط على سلاسل الإمداد، خاصة في أوروبا وآسيا، التي تعتمد بدرجة كبيرة على هذا المسار الحيوي. وهكذا تتحول الأزمة من نزاع إقليمي إلى اختبار حقيقي لقدرة النظام الاقتصادي العالمي على الصمود أمام صدمات جيوسياسية متزامنة.
أما على مستوى القرن الإفريقي، فإن هذه التطورات ترفع من قيمة المنطقة بشكل غير مسبوق، لكنها في الوقت ذاته تزيد من هشاشتها. فالدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن تتحول إلى ساحات تنافس مكثف بين القوى الإقليمية والدولية، سواء عبر القواعد العسكرية، أو الاستثمار في الموانئ، أو دعم الفاعلين المحليين. وفي ظل ضعف البنى السياسية في بعض هذه الدول، فإن هذا التنافس قد يتحول إلى عامل زعزعة إضافي، يعيد إنتاج الصراعات المحلية في صورة صراعات بالوكالة.
وفي قلب هذه المعادلة يقف السودان، بوصفه دولة مطلة على البحر الأحمر، وفاعلاً محوريًا في معادلة الأمن البحري، لكنه في الوقت نفسه يعيش حربًا داخلية تُضعف قدرته على الاستجابة لهذه التحولات. فمن الناحية الاقتصادية، سيواجه السودان تداعيات مباشرة وغير مباشرة تتمثل في ارتفاع تكاليف الاستيراد، اضطراب سلاسل الإمداد، زيادة أسعار الوقود والسلع الأساسية، وتراجع حركة التجارة عبر موانئه إذا ما تراجعت الملاحة في البحر الأحمر. كما قد تتأثر عائداته من الخدمات المينائية، وتتراجع جاذبية موانئه كممرات آمنة.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن تعاظم أهمية البحر الأحمر قد يضع السودان تحت ضغوط متزايدة من قوى إقليمية ودولية تسعى إلى تأمين مصالحها، سواء عبر ترتيبات أمنية، أو شراكات لوجستية، أو حتى وجود عسكري مباشر أو غير مباشر. وهنا تبرز خطورة أن يتحول السودان – في ظل هشاشته الداخلية – إلى ساحة تنافس مفتوحة، بدلًا من أن يكون فاعلاً منظمًا في صياغة ترتيبات الأمن البحري.
أما على مستوى الحرب الدائرة داخل السودان، فإن هذه التطورات قد تحمل تأثيرات مزدوجة. فمن جهة، قد يؤدي ارتفاع أهمية البحر الأحمر إلى تعزيز موقع الجيش السوداني إذا ما تمكن الجيش السوداني – أو القيادة السياسية – من تقديمه كشريك موثوق في تأمين الساحل والموانئ، وهو ما قد يفتح له قنوات دعم سياسي وأمني من أطراف دولية وإقليمية. ومن جهة أخرى، فإن تصاعد التنافس الإقليمي قد ينعكس في زيادة التدخلات غير المباشرة، وتدفق الموارد أو الدعم إلى أطراف مختلفة، بما يطيل أمد الصراع أو يعقّد مسارات حله.
كما أن أي اضطراب في باب المندب قد يؤثر على طرق الإمداد والتمويل غير المباشر لبعض الفاعلين في النزاع، سواء عبر شبكات التهريب أو عبر المسارات اللوجستية غير الرسمية، مما يعيد تشكيل توازنات القوى داخل الميدان السوداني نفسه.
في المحصلة، فإن إغلاق هرمز – إن حدث – لا ينبغي أن يُقرأ كأزمة خليجية فقط، بل كحدث يعيد رسم خرائط البحر من الخليج إلى البحر الأحمر، ويضع القرن الإفريقي في قلب معادلة الأمن العالمي. غير أن الخطر الأكبر لا يكمن في الإغلاق ذاته، بل في تزامنه مع تفعيل جبهات موازية، وعلى رأسها باب المندب، بما يحوّل الممرات البحرية إلى مسرح مفتوح للصراع الممتد.
وبالنسبة للسودان، فإن هذه اللحظة تمثل اختبارًا استراتيجيًا بالغ الحساسية، فإما أن يتحول إلى جزء من المشكلة بفعل هشاشته الداخلية والحرب الدائرة فيه، وتنازع الفاعلين على أرضه، أو أن يعيد تموضعه – رغم التحديات – كجزء من الحل، عبر استعادة الحد الأدنى من التماسك، وتقديم نفسه كركيزة للاستقرار في معادلة بحرية تتجه نحو مزيد من التعقيد، ومن لا يملك موقعه في الجغرافيا ويتحكم فيه، يُعاد تعريف موقعه داخلها بيد غيره.