السفير عطا المنان بخيت
ولد مشروع المرابطين من سيرة رجل واحد أكثر مما ولد من قرار دولة أو عصبية قبيلة، ويتجسد ذلك بجلاء فى سيرة رجل عصامي عظيم هو الفقيه عبد الله بن ياسين، الذي جاء إلى صحراء السودان الغربي، بوصفه مُعلماً ثم صار مؤسساً لآلية تنظيمية صارمة سميت الرباط، قبل أن تتطور لاحقًا إلى دولةٍ تمتد من الصحراء إلى المغرب والأندلس. هذه القصة ليست مجرد تاريخ حروب، بل تاريخ كيفية تشكّل الشرعية، من التعليم، إلى الانضباط إلى السيطرة على طرق التجارة، ثم إلى إعادة تشكيل المجال الديني في الصحراء والسودان الغربي، وبسط المذهب المالكي. فكيف حدث ذلك ؟
لم يكن وصول عبد الله بن ياسين إلى صحراء السودان الغربي وليد تخطيط أو تدبير مسبق، بل ساقته الأقدار عفواً، ليكتب صفحة وضيئة فى تاريخ الإسلام في هذا الركن من أفريقيا. كان مجيؤه بمبادرة من أحد زعماء قبيلة صنهاجة هو يحيى بن إبراهيم الجدالي، زعيم جدالة إحدى بطون صنهاجة، عندما ذهب في رحلة إلى المغرب بحثا عن فقيه يتولى تعليم البدو ويفقههم في أمور دينهم، فقد أقلقه تفشى الجهل بأمور الدين وسط قومه، الذين إنقطعوا عن منهل العلم في المغرب، وإنشغلوا بشؤون حياتهم في الصحراء القاحلة. فأرشدوه إلى عالم رباني شديد التدين عرف عنه أنه يأخذ كتابه بقوة، هو الفقيه العالم عبد الله بن ياسين. وهكذا هبط بن ياسين إلى صحراء السودان الغربي ـ موريتانيا الحالية ـ في رفقه وحماية يحيى بن إبراهيم، لم يأت فاتحاً، بل جاء شيخاً ومعلماً ومفتياً. وأفضى التعاون والتنسيق والثقة المتبادلة بين الرجلين، إلى بناء تحالف فريد في قلب صحراء السودان الغربي بين العلم والفقه من جانب والسياسة والرئاسة من جانب آخر. حيث وفرت قبيلة جدالة الحماية والرعاية لهذا التحالف، بينما تولى بن ياسين الإعداد والتربية والقيادة والمرجعية الروحية. ومن رحم هذا التحالف ولدت بذرة حركة المرابطين التي أصبحت فيما بعد دولة وازنة في المنطقة لعبت دوراً أساسياً في نشر الإسلام شمال وجنوب الصحراء وأرست قاعدة قوية للمذهب المالكي ما تزال صامدة حتى اليوم. بدأ بن ياسين تعليم البدو أمور دينهم، وكان منهجه صارماً في التوجيه والتطبيق، ولعل هذه الشدة كانت مهمة لقبائل البدو شديدي المراس، ورغم إقبالهم الكبير على حلقات التعليم والدرس إلا أن بن ياسين قد لاحظ إنه ينقصهم الإنضباط السلوكي، وضعف التنظيم، وعسر القيادة، وخلص إلى أن هؤلاء العرب العاربة لا يمكنهم تكوين جماعة متماسكة، أو دولة تتجاوز العصبية إذا لم تعاد تربيتهم في السلوك والالتزام والانضباط. من هنا جاءته فكرة إنشاء رباط ليكون مدرسة لإعادة بناء بدو الصحراء، بغية إصلاحهم وإصلاح دينهم.
تعددت السرديات حول مكان الرباط، وأشهرها أنه بدأ في جزيرة على المحيط الأطلسي بالقرب من مدينة سان لويس وهي مدينة تاريخية تقع شمال جمهورية السنغال الحالية، وبالقرب من حدود جمهورية موريتانيا الحالية. ولئن تعددت الآراء في مكان الرباط، فإن هناك إجماع على صيغة تنظيم الرباط، بأن صار خلوة إجبارية، ينقطع فيها المرابطون عن العالم، وتكون فضاءً للتربية والانضباط السلوكي، والتدريب على الطاعة، بغية صناعة جماعة متماسكة، تربط بين العلم والتدين والفعل السياسي والعسكري. وبهذا يكون الشيخ بن ياسين قد بدأ مشروعه بتكوين الإنسان المنضبط المقاتل المتدين، المستعصم بمعاني الدين، والمتعالي على العصبية القبلية.
لقد إستغرق الرباط زمناً طويلاً، ولكنه كان ضرورياً، لأنه أعد جيلاً شديد المراس، عميق الإيمان،سليم الفهم، وهو الجيل الذى تمكن من إنشاء دولة المرابطين التى إمتدت من صحراء السودان الغربي مرورا بالمغرب وحتى الأندلس، وأسهمت بسهم وافر في نشر الاسلام وتثبيت عراه، وفرض المذهب المالكي، وتعزز هذا الدور حتى بعد إستشهاد المؤسس. بعد أن أحكم تربية إتباعه في الرباط، وتحولت الدعوة إلى حركة وحماس للتضحية والجهاد، أمرهم بالخروج، ونشر الدعوة سلماً ما أمكن، فلما لم تستجيب قبائل الصحراء، خرج المرابطون في جيش كثيف، وأستولوا على مدينة سلجماسة مركز تجارة الصحراء، ثم إستولوا على وداغست، ومهدت السيطرة على هذه المدن التجارية المهمة في الصحراء أن ينتقل المرابطون عملياً من حركة إلى دولة.
قاد الشيخ المجاهد عبد الله بن ياسين جحافل المرابطين في كل معاركهم في الصحراء وحتى المغرب، حقق إنتصارات باهرة، وأوقد جذوة الدين في قلوب بدو الصحراء بعد أن كادت تنطفئ. وواصل الجهاد حتى سقط شهيداً فى العام 1059، بعد أن أصلح أمر الدين وجدد معانيه في قلوب بدو صحراء السودان الغربي، وبعد أن أصبحت فكرته حركة ضاربة ذات رايات تملأ الافاق. لقد سقط مؤسس الرباط، ولكن الرباط لم يسقط، لأن البناء كان قويا، فصار التنظيم أقوى من الفرد، وواصلت حركة المرابطين زحفها المقدس لتؤسس دولة المرابطين وعاصمتها مدينة مراكش.
تمددت دولة المرابطين في فضاء جغرافي واسع من الأندلس وحتى جنوب صحراء السودان الغربي، ولإدارة هذا الحيز الشاسع، إنقسمت الى مجموعتين، القطاع الشمالي وقاده يوسف بن تاشفين، أحد أهم زعماء المرابطين بعد المؤسس، وواصل بن تاشفين زحفه حتى الأندلس في معركة الزلاقة المعروفة، وتحدث المؤرخون كثيراً عن هذا القطاع مستلهمين سيرة بن تاشفين العطرة. لكن القطاع الجنوبي والذى أحكم السيطرة على جنوب الصحراء، فقد كان الحديث عنه قليلا، وهو ما يهمنا فى هذه الإضاءة.
قاد القطاع الجنوبي، أو مايسمى تاريخيا بالجبهة الصحراوية، القائد الفذ أبوبكر بن عمر، وأحكم سيطرته على مفاصل التجارة في الصحراء، وبنى دولة متماسكة في الجنوب وربطها سياسيا ودينيا بجبهة المغرب الإسلامي، مما رسخ الاسلام والمذهب المالكي.
وكان الإنجاز الاكبر لفيلق جبهة الصحراء، بقيادة أبوبكر بن عمر، هو التحالف مع مملكة التكرور، والهجوم على أمبراطورية غانا الوثنية والسيطرة عليها، وإجتياح عاصمتها كومبي صالح في العام 1076م. ويعتبر سقوط إمبراطورية غانا حدثاً مفصلياً، في تاريخ المنطقة، لأنه فتح الطريق واسعا لإندياح حركة الاسلام بين المغرب والسودان الغربي عبر الصحراء، وتعززت حركة الدعوة، ودخلت قبائل كثيرة في الإسلام. وهذا الحراك هو الذي أدى لاحقاً لقيام مملكة مالي الإسلامية، أهم الممالك الاسلامية في أفريقيا.
وسنفصل في ذلك عندما نتناول في الحلقات القادمة سيرة أسد مالي سوندجاتا كيتا، ومن بعد سيرة الملك الصالح مانسا موسى. يرجع الفضل لحركة المرابطين أيضاً في أنها كانت القوة الدافعة والتي مكنت لإنتشار المذهب المالكي في غرب ووسط أفريقيا، حتى أصبح المذهب الشائع في كل دول السودان الغربي حتى الآن. حيث قامت مملكة مالي على المذهب المالكي، ومملكة صونغاي ثم الممالك الصغرى من مملكة صكتو مرورا بمملكة وداي وحتى سلطنة دارفور.
وبالطبع هذا التتبع التاريخي يجيب على السؤال لماذا اختار السودانيون المذهب المالكي بالرغم من الرابط الثقافي والديني القوي مع مصر والحجاز.
وبعد، هذه مجرد إضاءة ووقفات في سيرة هذا المجاهد والفقيه عبد الله بن ياسين الذي لعب دوراً حاسماً في نشر الإسلام وتثبيت دعوته في شمال وجنوب صحراء السودان الغربى. وهكذا العمل الصالح بدأ دعوة وسط بدو الصحراء، ثم أصبح رباطاً يصنع جماعة مؤمنة ومتماسكة، ثم ينشئ دولة تعيد ترتيب الصحراء والسودان الغربي لقرون تالية.