زادنا… مشروع دولة يعيد رسم معركة الأمن الغذائي بعقل التخطيط وقوة التنفيذ

كتب محمد عثمان الرضي

بدعوة كريمة من شركة زادنا للاستثمار العالمية، توجهت إلى مدينة عطبرة بولاية نهر النيل، في زيارة ميدانية هدفت إلى الوقوف على أنشطة الشركة عن قرب، ونقل صورتها الحقيقية للرأي العام كما هي على الأرض، لا كما تُروى في التقارير.

الرحلة إلى عطبرة لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كانت دخولًا إلى فضاء تجربة وطنية مختلفة، تتجاوز حدود الاستثمار التقليدي إلى أفق السيادة الاقتصادية والأمن الغذائي.

شركة زادنا واحدة من الشركات الوطنية الكبرى التابعة للجيش السوداني، وتضم تحت مظلتها سبع شركات متعددة المهام والاختصاصات، ما يمنحها قدرة كبيرة على التكامل وتوزيع الأدوار.

هذا التنوع يعكس رؤية استراتيجية واعية، تقوم على بناء مؤسسة شاملة لا تعتمد على نشاط واحد، بل تتحرك في مسارات متوازنة تخدم الاقتصاد الوطني.

تتخصص زادنا في مجال الإنتاج الزراعي، وهو المجال الأكثر ارتباطًا بحياة المواطن وأمن الدولة، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
تمتلك الشركة أكبر المشاريع الزراعية في السودان، وعلى رأسها مشروع “زادي 1” الذي تبلغ مساحته مليون فدان، في واحدة من أضخم التجارب الزراعية الحديثة.

هذا المشروع العملاق تم تشييده بالاعتماد على الموارد الذاتية للشركة، دون اللجوء إلى قروض خارجية أو تمويل مشروط، في رسالة واضحة عن الثقة في الإمكانات الوطنية.

مشروع “زادي 1” لا يمثل مجرد توسع زراعي، بل يؤسس لمرحلة جديدة في إدارة الأرض والمياه والموارد وفق أسس علمية دقيقة.

من بين أهم المشاريع الاستراتيجية التي تخطط لها الشركة توطين زراعة القمح، الغذاء الرئيسي للشعب السوداني، والذي ظل يمثل عبئًا اقتصاديًا كبيرًا على الدولة.
فاتورة استيراد القمح تقدر بنحو 600 مليون دولار سنويًا، وهو رقم يكشف حجم النزيف المستمر للعملات الصعبة.

زراعة القمح محليًا لا تعني فقط خفض فاتورة الاستيراد، بل تعني تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز القرار الوطني المستقل.

ما تم صرفه حتى الآن في إنشاء مشروع “زادنا 1” بلغ قرابة 16 مليون دولار في مراحله الأولى، وهو استثمار محسوب بعناية وفق أولويات واضحة.

زادنا لم تنتظر استقرار الأوضاع لتبدأ العمل، بل خاضت ما يمكن تسميته بمعركة الكرامة الاقتصادية، جنبًا إلى جنب مع معركة الكرامة الوطنية.
هذه المعركة تُدار بالعقل والتخطيط والعمل الميداني، لا بالشعارات ولا بالخطابات الإعلامية.

مشروعات الأمن الغذائي التي شرعت الشركة في تنفيذها جاءت وهي تضع شعار “السودان سلة غذاء العالم” موضع التنفيذ لا التداول.

عام 2025 رفعته الشركة عامًا للتنمية المتوازنة، ونجحت خلاله في تنفيذ عدد من المشروعات الخدمية والتنموية في مناطق مختلفة من السودان.

لم تحصر زادنا التنمية في المركز، بل سعت إلى توزيع آثارها على الولايات والمناطق الطرفية، انطلاقًا من فهم عميق لمعنى العدالة التنموية.

عام 2026 تخطط له الشركة باعتباره عام القيمة المضافة، من خلال الانتقال من الإنتاج الخام إلى التصنيع وتعظيم العائد الاقتصادي.

في قاموس شركة زادنا، تظل كلمة التخطيط هي الأغلى والأثمن، فهي الأساس الذي تُبنى عليه القرارات وتُقاس به النتائج.
ولهذا استعانت الشركة بنخبة من العلماء والخبراء في مختلف التخصصات، لإجراء الدراسات العلمية المتخصصة ووضع الخطط وفق أسس رصينة.

روح الفريق الواحد كانت حاضرة بقوة، حيث التقت الخبرة العسكرية بالمعرفة العلمية والإدارة الحديثة في نموذج عمل متكامل.

كما تمثل شركة زادنا نموذجًا ناجحًا للعمل المشترك بين العسكريين والمدنيين، نموذج أثبت فاعليته وسجل تجربة جديرة بأن يُحتذى بها في إدارة المشروعات الوطنية الكبرى.

هذا التكامل أتاح للشركة الجمع بين الانضباط المؤسسي والكفاءة الفنية، فأسهم في تسريع الإنجاز ورفع مستوى الأداء.

وفي إطار انفتاحها المدروس، نجحت زادنا في بناء شراكات إقليمية ودولية لاستيراد أحدث المعدات الزراعية وفق أفضل المواصفات العالمية.
هذا التطور التقني انعكس مباشرة على الإنتاجية وجودة العمل، وواكب التحولات الحديثة في قطاع الزراعة.

ونتيجة لالتزامها الصارم بمعايير الجودة، نالت شركة زادنا أعلى درجات التقييم الدولي.
كما حصلت على عدد من شهادات الآيزو العالمية، وهي شهادات تُمنح بناءً على الجودة والإتقان والالتزام بالمعايير المؤسسية.

استطاعت الشركة كذلك أن تستفيد بوعي من إخفاقات وسلبيات المشروعات الزراعية الكبرى السابقة، والتي توقفت بعضُها بسبب الإهمال وسوء الإدارة.

زادنا قرأت التجارب الماضية بعين ناقدة، وحولت الدروس إلى أدوات نجاح، فوضعت نظم متابعة ومحاسبة تمنع تكرار الأخطاء.

ويبرز في هذا السياق دور المدير العام لشركة زادنا العالمية للاستثمار د. طه حسين يوسف، الذي يجمع بين حداثة السن وعمق الإدراك وسعة الرؤية.
صِغر السن لم يكن عائقًا، بل تحول إلى طاقة متجددة، أقنعت العلماء والخبراء بالسير من خلفه والعمل تحت إدارته برضا وثقة كاملين.

ما يميزه عن كثير من أقرانه احترامه لمن قادوا المؤسسة من قبله، وإيمانه بأن البناء الحقيقي يبدأ من التراكم لا القطيعة.

أربع سنوات فقط هي عمر تجربته في إدارة الشركة، لكنها كانت سنوات حافلة بالعمل والإنجازات الكبيرة.

خلال هذه الفترة استطاع أن ينقل زادنا من مرحلة التأسيس الحذر إلى فضاء الطموح الواسع، واضعًا إياها في موقع متقدم ضمن المؤسسات الوطنية المؤثرة.

في عطبرة، بدا واضحًا أن ما يجري داخل زادنا ليس نشاط شركة فحسب، بل عمل دولة بعقلية مؤسسية حديثة.
تجربة زادنا تؤكد أن السودان لا تنقصه الموارد، بل يحتاج إلى إدارة رشيدة ورؤية واضحة.
ومع هذا النهج، تبدو معركة الأمن الغذائي أقرب إلى الانتصار، حين تتوفر الإرادة، ويقودها التخطيط، وتحرسها الكفاءة.

Exit mobile version