نشرت Washington Post اليوم تقريراً مهماً عن تحول جديد في التكتيك الروسي داخل أوكرانيا: استهداف مخازن الغذاء ومراكز التوزيع والأسواق ومراكز التسوق.
المسألة ليست مجرد تدمير مبنى تجاري.
سلسلة الإمداد الغذائي في المدن الحديثة تعتمد على عدد محدود من المستودعات الضخمة. هذه المستودعات تستقبل الغذاء من المنتجين والمصانع، ثم توزعه يومياً على مئات المتاجر.
إذا دمرت مخزناً مركزياً، فإنك لا تدمر محتوياته فقط؛ بل تضرب شبكة التوزيع كلها.
بحسب التقرير، تعرض مركزا توزيع تابعان لسلسلة Silpo، وهي واحدة من أكبر متاجر السوبرماركت في أوكرانيا، للقصف، كما أصيب مركز رئيسي تابع لسلسلة Novus في كييف.
النتيجة ظهرت سريعاً على الرفوف.
اختفت أو تقلصت إمدادات الخضراوات الطازجة ومنتجات الألبان مثل الزبادي والقشدة والجبن.
بعض المتاجر لجأت إلى ملء المساحات الفارغة بمنتجات متوافرة بكثرة حتى لا تعطي المستهلك إحساساً بأن الإمدادات بدأت تنفد.
الحكومة الأوكرانية تتعامل بحذر شديد مع المسألة لأنها لا تريد ذعراً شعبياً.
لكن وزير الزراعة تاراس فيسوتسكي قال إن ما يقارب 90% من البنية اللوجستية الغذائية التي تديرها سلاسل التجزئة تعرضت للتدمير.
ومع ذلك أكد أنه لا يوجد خطر فوري بحدوث مجاعة أو نقص مادي شامل في الغذاء.
كيف يمكن الجمع بين الأمرين؟
لأن أوكرانيا نفسها دولة منتجة ضخمة للغذاء.
المشكلة ليست في أن القمح أو الحليب أو الخضراوات غير موجودة؛ المشكلة هي كيف تصل من المزرعة والمصنع إلى المستهلك.
وهذا فرق جوهري.
قد يكون الطعام موجوداً على بعد مئات الكيلومترات، لكنه بلا شاحنات ومخازن وتبريد وشبكات توزيع يصبح غير موجود عملياً في المدينة.
التحول الروسي يأتي أيضاً بعد ضربات أوكرانية لمراكز تجارة إلكترونية ومخازن في روسيا، ما يجعل المسألة جزءاً من حرب متبادلة ضد البنية اللوجستية المدنية.
لكن استهداف الغذاء يحمل حساسية مختلفة.
الاقتصاد الأوكراني يعيش أصلاً تحت ضغط هائل، وأي اضطراب في السلع الأساسية يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، ويؤثر في الروح المعنوية، ويدفع الحكومة إلى تحويل موارد إضافية لحماية المستودعات.
الحرب هنا تتحول من تدمير دبابات وجسور إلى تغيير سلوك الحياة اليومية.
إذا لم تجد الأم الطعام الذي اعتادت شراءه، أو اضطر متجر إلى رفع السعر، أو أصبح التسوق مرتبطاً بالخوف من الضربات، فإن الحرب تدخل المطبخ والمنزل.
وهذا يفسر لماذا تعتبر البنية اللوجستية هدفاً استراتيجياً.
في الحروب الحديثة، القدرة على إبقاء المجتمع يعمل جزء من القوة القتالية.
الجندي يحتاج إلى ذخيرة، لكن أسرته تحتاج إلى خبز وكهرباء ودواء.
حين يضغط الخصم على هذه الشبكات، فهو يحاول إضعاف الدولة من الداخل.
السؤال الآن هو ما إذا كانت الضربات الروسية الأخيرة تمثل سلسلة محدودة من الانتقام أم استراتيجية متعمدة لضرب تجارة الغذاء المدنية.
إذا كانت الثانية، فقد تدخل الحرب الأوكرانية مرحلة جديدة: ليس حصار المدن عسكرياً، بل حصار الحياة اليومية اقتصادياً ولوجستيا