كمال هاشم
فُجِعتُ بالأمس بنبأ الرحيل المفاجئ للأستاذ أحمد كمال الدين، في وقتٍ وبلادنا أحوج ما تكون إلى أمثاله من العقول المستنيرة والأصوات الرصينة.
تعود متابعتي لكتابات أحمد كمال الدين إلى سنواتٍ خلت، حين كنتُ أحرص على قراءة مجلة “سوداناو”، وكان أكثر ما يشدّني إليها مقالاته التي يكتبها بعمق فكري ولغة بديعة وهو يرأس تحريرها حينئذ.
رأيته لأول مرة، في تسعينيات القرن الماضي، في كمبالا خلال مؤتمر “البان أفريكان”، ورغم أن القاعة كانت تضم الكثير من قامات أفريقيا الفكرية والسياسية من داخل القارة والدياسبورا، أمثال علي المزروعي ومدثر عبد الرحيم وجون قرنق ورياك مشار، وآخرين كثر، إلا أن المحامي السوداني الشاب، أحمد كمال الدين، المتّقد حماسة والمتسلح بلغة إنجليزية رصينة، استطاع أن يكون محطّ أنظار الجميع. كان ينتزع فرص الحديث بثقة تامة، مفنداً بلسانٍ ذَرِب ومنطق دامغ أطروحات الدكتور رياك مشار وداعميه الذين حاولوا حشد التأييد للانفصال والمطالبة بتعويضات عن تاريخ الاسترقاق؛ وهو طرحٌ وجد تعاطفاً واسعاً داخل القاعة لمساسه بوجدان أفارقة الشتات، غير أن أحمد كمال الدين استطاع تفكيك تلك الحجج واحدةً تلو الأخرى، حتى عضده في منطقه ذلك كبار المفكرين الحاضرين، بل وحتى الدكتور جون قرنق نفسه.
لم تتح لي فرصة اللقاء المباشر به والتعرف عليه إلا لاحقاً في المنامة، حين لبّينا دعوته الكريمة لجميع الأطباء السودانيين المشاركين في مؤتمر للعيون؛ وهناك شهدنا كرمه الحاتمي واحتفاءه النبيل الذي عرف به مع كل السودانيين الوافدين إلى البحرين.
رحم الله الأخ العزيز أحمد كمال الدين، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وأسرته الصبر الجميل. إنا لله وإنا إليه راجعون.
