قصة قصيرة
محمد يوسف العركي
في طابور المخبز، كان “عمر” يختبر الوجود في أصفى تجلياته؛ أن تكون عابراً بلا صفات، محض جسدٍ يبحث عن رغيف دافئ في زحام المجهولين. تلك “العادية” كانت حريته المطلقة، حيث لا أحد يراقب، ولا أحد ينتظر منه تصريحاً أو موقفاً.
حين جلس في المقهى، وانتقلت إليه تلك الهمسة: *”أليس هذا هو؟”*، سقط في فخ الوعي بالآخر. في تلك اللحظة، لم يعد “عمر” يعيش لنفسه، بل تحول إلى كائن يُراد له أن يُرى. استقام ظهره في حركة دفاعية تلقائية، وضبط ملامحه على وقارٍ مصنوع؛ لقد تحول جسده العفوي إلى مسرح، وعقله إلى رقيب يصحح حركة يده وهي تمسك بالكوب لتلائم صورة “النجم” الكامنة في أذهانهم.
لمدة نصف ساعة، كان يمارس اغتراباً وجودياً حاداً؛ كان يسجن كينونته الحقيقية المجهدة خلف قناع المؤثر الملهم، يبيع راحته الحالية لقاء “الوجود في وعي الآخرين”.
حين نهض ليغادر، مدفوعاً برغبة الضحية في معانقة جلادها، مرّ بطاولتهما متخففاً من وقاره ليمنحهما فرصة العثور عليه. التفت إليه أحدهما، فتهيأ “عمر” ليرى انعكاس علامته التجارية في عينيه، لكن الشاب اعتذر ببساطة: “معذرة يا أستاذ.. هل يمكننا أخذ هذا الكرسي الشاغر؟”
خرج “عمر” إلى رصيف الشارع، وأرخى كتفيه المتصلبتين. أدرك في تلك اللحظة عمق مأساته: إنه ربع مشهور؛ أصغر من أن يغير الواقع، وأكبر من أن يعيشه بعفوية. لقد فقد جنة المجهولين، ولم يبلغ ملكوت المشاهير، وبات محكوماً عليه أن يسير في برزخٍ معتم، يفتش فيه عن ذاته التي تلاشت بين حقيقة غائبة، ووهمٍ لم يكتمل.