في ظل ما تشهده العلاقات المصرية السودانية من تقارب متزايد، تبرز الشراكة الاقتصادية بين البلدين كأحد أهم الملفات المطروحة، خاصة مع اقتراب مرحلة إعادة إعمار السودان وما تتيحه من فرص استثمارية واسعة. ويعوّل على مجلس الأعمال السوداني المصري المشترك في تعزيز التعاون بين مجتمع الأعمال في البلدين، ورصد التحديات التي تعوق حركة التجارة والاستثمار، والعمل على معالجتها بالتنسيق مع الجهات الرسمية.
في هذا الحوار، يتحدث رئيس مجلس الأعمال السوداني المصري المشترك جوزيف مكين إسكندر لـ “المحقق” عن واقع العلاقات الاقتصادية بين السودان ومصر، وحجم التبادل التجاري، وأبرز التحديات التي تواجه المستثمرين، كما يكشف عن رؤية المجلس لزيادة التجارة البينية، والقطاعات الأكثر جذبًا للاستثمارات، والدور المنتظر للشركات المصرية في إعادة إعمار السودان، إلى جانب المطلوب من الحكومة السودانية لتهيئة بيئة استثمارية جاذبة في مرحلة ما بعد الحرب.. وفيما يلي نص الحوار.
في البداية ماهو الدور الذي يقوم به مجلس الأعمال السوداني المصري في تعزيز الشراكة الاقتصادية بين البلدين؟
مجلس الأعمال السوداني المصري المشترك هو كيان يضم اتحاد أصحاب العمل في السودان واتحاد الغرف التجارية في مصر، ويعكس واقع التجارة والاستثمار بين البلدين، باعتباره على تماس مباشر مع حركة التبادل التجاري والاستثماري وما يواجهها من تحديات بصورة يومية، ويؤدي المجلس دورًا مهمًا في نقل هذه التحديات إلى الجهات المعنية في البلدين، سواء اتحادات أصحاب العمل والغرف التجارية أو الجهات الحكومية المختصة، مثل وزارات الاستثمار والتجارة والصناعة، بما يسهم في إزالة المعوقات التي تحد من حركة التجارة والاستثمارات، وتعزيز فرص الشراكة الاقتصادية، لذلك يعد المجلس أحد أهم الأذرع الداعمة لتنمية التجارة البينية والاستثمارات المشتركة بين السودان ومصر.
ما أبرز الإنجازات التي حققها المجلس خلال الفترة الماضية؟
تم بالفعل تشكيل الجانب السوداني من مجلس الأعمال المشترك، فيما ننتظر استكمال تشكيل الجانب المصري من قبل الجهات المختصة، تمهيدًا لبدء تنفيذ خطة طموحة تستهدف رفع حجم التجارة بين البلدين، والعمل على إزالة المعوقات التي تواجه مختلف القطاعات، بالتنسيق مع الجهات التنفيذية في السودان ومصر.
أصدرتم مؤخرًا تقريرًا ربع سنويًا.. ما أبرز ما جاء فيه؟
إصدار أول بيان إحصائي للمجلس يمثل انطلاقة فعلية لعملية تحليل حركة التجارة بين السودان ومصر، ورصد الفرص والتحديات التي تواجهها، وسيصدر هذا البيان بصورة ربع سنوية ليكون مرجعًا مهمًا للباحثين والمهتمين بالتجارة والاستثمار بين البلدين، وتضمن التقرير تقديرات لحجم التجارة الخارجية بين مصر والسودان، وأبرز السلع التي يصدرها كل بلد إلى الآخر، إلى جانب تحليلات اقتصادية مهمة تعكس واقع العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الجانبين.
هل هناك خطط أو مبادرات جديدة لتسهيل أعمال المستثمرين ورجال الأعمال؟
نعمل بصورة مستمرة على التواصل مع الجهات المعنية في مصر، سواء عبر السفارة السودانية بالقاهرة أو من خلال لقاءات مباشرة يعقدها المجلس مع المسؤولين، بهدف تسليط الضوء على أبرز الفرص الاستثمارية والتحديات التي تواجه قطاع التجارة، كما نركز على إبراز الفرص الكبيرة التي ستتاح في السودان خلال مرحلة إعادة الإعمار، والتي نتوقع أن يكون للشركات المصرية النصيب الأكبر فيها، باعتبار مصر الدولة الأكبر في المنطقة في هذا المجال، إضافة إلى اعتبارات تاريخية واقتصادية ولوجستية، فضلًا عن وقوفها إلى جانب السودان خلال الأزمة واستضافتها لأكثر من ستة ملايين سوداني طوال فترة الحرب، وهي مواقف تقدرها الدولة السودانية كثيرًا.
كيف يتعامل المجلس مع العقبات الإدارية أو القانونية التي تواجه المستثمرين؟
بحكم طبيعة تكوينه، يمثل المجلس مختلف اتحادات أصحاب العمل والغرف التجارية، ولذلك يناقش في اجتماعاته الدورية كل القضايا المتعلقة بالمستثمرين في مختلف القطاعات، ويتواصل بشكل مباشر مع الجهات المختصة لمعالجة هذه التحديات، ومن هذا المنطلق، يظل المجلس حاضرًا بصورة دائمة في كل ما يشغل المستثمر السوداني، والمصدر والمستورد، وكافة القطاعات الاقتصادية ذات الصلة.
كيف تقيّمون مستوى العلاقات الاقتصادية بين السودان ومصر في المرحلة الحالية؟
العلاقات الاقتصادية بين السودان ومصر تشهد أفضل مراحلها في الوقت الراهن، وهناك تعاون واسع في العديد من المجالات، وتشير المؤشرات إلى أن الصادرات المصرية الرسمية إلى السودان ستتجاوز مليار دولار خلال العام الجاري للمرة الأولى في تاريخ العلاقات التجارية بين البلدين، وذلك وفقًا لمؤشرات الصادرات حتى نهاية شهر مايو الماضي.
في المقابل، أثرت الحرب في السودان بصورة كبيرة على الصادرات السودانية إلى مصر، رغم أن السوق المصرية تظل مفتوحة أمام المنتجات السودانية دون معوقات، إلا أن استمرار تأثر القطاعات الإنتاجية الكبرى بالحرب انعكس بوضوح على حجم الصادرات، حيث انخفضت صادرات الأبقار إلى أقل من ربع مستوياتها قبل الحرب، وتراجعت صادرات الجمال إلى أقل من النصف، كما تأثر القطاع الزراعي بصورة كبيرة، ما أدى إلى انخفاض إجمالي الصادرات السودانية إلى مصر إلى نحو نصف مستوياتها السابقة.
ما أبرز التحديات التي تواجه حركة التجارة والاستثمار بين البلدين؟
من أبرز التحديات التغير المستمر في بعض القوانين والإجراءات، بما ينعكس سلبًا على حركة التجارة.أما التحدي الأكبر في السودان فيتمثل في انخفاض حجم المنتجات الموجهة للتصدير إلى مصر نتيجة تداعيات الحرب، كما يمثل الربط المصرفي بين البلدين وتحويلات الأموال أحد أهم الملفات التي تحتاج إلى معالجة، خاصة أن حجم التجارة الرسمية بين السودان ومصر يبلغ نحو 1.5 مليار دولار، وهو ما يستدعي وجود بنوك تعمل في البلدين لربط هذه التجارة بالقطاع المصرفي الرسمي، بما يضمن خضوعها للرقابة وعدم انتقالها إلى الاقتصاد الموازي.
ما حجم التبادل التجاري الحالي بين البلدين؟ وهل شهد تغيرًا بعد الحرب؟
قبل اندلاع الحرب بلغ حجم التجارة الرسمية بين السودان ومصر نحو 1.5 مليار دولار، وكان الميزان التجاري قريبًا من التكافؤ، بنسبة 55% لصالح مصر مقابل 45% لصالح السودان.
أما خلال الحرب، فقد تراجع حجم التجارة إلى نحو 1.3 مليار دولار بانخفاض يقارب 200 مليون دولار، إلا أن الخلل الأكبر ظهر في الميزان التجاري، إذ ارتفعت الصادرات المصرية إلى نحو مليار دولار، بينما تراجعت الصادرات السودانية إلى قرابة 300 مليون دولار، ليصبح الميزان التجاري بنسبة 75% لصالح مصر مقابل 25% للسودان.
ويستطيع السودان تحسين موقعه في الميزان التجاري، خاصة في صادرات اللحوم والحيوانات الحية والمحاصيل الزراعية، إلا أن مناطق إنتاج هذه السلع لا تزال متأثرة بالحرب، وبشكل عام، فإن حجم التجارة الرسمية بين البلدين، حتى قبل الحرب، والبالغ 1.5 مليار دولار، يظل رقمًا محدودًا، إذ لا يمثل سوى نحو 1% من إجمالي التجارة الخارجية للبلدين، خاصة أن حجم التجارة الخارجية لمصر وحدها يبلغ نحو 150 مليار دولار سنويًا، ومن هذا المنطلق، فإن دولتين يتجاوز إجمالي تجارتهما الخارجية 160 مليار دولار، ينبغي ألا تقل التجارة البينية بينهما عن 5%، أي ما يتراوح بين 8 و10 مليارات دولار، وهو هدف قابل للتحقيق إذا توفرت الإرادة السياسية والإنتاج الكافي، إلى جانب تقديم التسهيلات اللازمة لحركة التجارة.
ما القطاعات الأكثر جذبًا للاستثمارات المصرية في السودان؟
جميع القطاعات في السودان تمثل فرصًا واعدة للاستثمار المصري، إلا أن الأولوية خلال المرحلة المقبلة ستكون للقطاعات المرتبطة بإعادة الإعمار.
ومن أبرز هذه القطاعات الصناعات المرتبطة بالكهرباء، مثل إنتاج خلايا الطاقة الشمسية والكابلات والمحولات ومستلزمات البنية التحتية، إضافة إلى صناعة السكر، التي تحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل، خاصة أن السودان يستورد أكثر من مليون طن سنويًا، كما تمثل صناعات مواد البناء، مثل الحديد والأسمنت، وصناعة الملابس الجاهزة، والأسمدة، وصناعة السيارات، مجالات واعدة أمام المستثمر المصري، في ظل الحاجة الكبيرة إليها خلال المرحلة المقبلة.
وما المجالات التي يمكن أن تستقطب استثمارات سودانية في مصر؟
تتمثل أبرز الفرص في الصناعات التحويلية المرتبطة بالمنتجات السودانية، مثل الصناعات القائمة على السمسم، والفول السوداني، والصمغ العربي، والحلاوة الطحينية، وزيت السمسم، وقد بدأ بالفعل عدد من المستثمرين السودانيين تنفيذ مشروعات في هذه المجالات داخل مصر، مع توجيه منتجاتهم إلى الأسواق الخارجية، وتتميز مصر بكونها دولة صناعية كبرى تمتلك إمكانات كبيرة في التصنيع والتصدير للأسواق العالمية، كما أن مناخ الاستثمار فيها يعد جاذبًا ومستقرًا.
ما الدور المتوقع للشركات المصرية في عملية إعادة إعمار السودان؟
ينتظر الشركات المصرية دور محوري في إعادة إعمار السودان، ولذلك من المهم أن تبدأ في التواجد مبكرًا داخل السوق السودانية، سواء بشكل مباشر أو عبر شراكات مع المستثمرين السودانيين، حتى لا تسبقها شركات من دول أخرى، مثل الصين أو تركيا أو غيرهما.
هل لامستم اهتمامًا من المستثمرين المصريين بالعودة إلى السوق السودانية بعد استقرار الأوضاع؟
نعم، هناك اهتمام واضح من جانب العديد من الشركات المصرية بالعمل في مشروعات إعادة الإعمار، وهي تترقب انتهاء الحرب بصورة رسمية حتى تبدأ الدخول إلى السودان بمعداتها وكوادرها البشرية، كما أن هناك اهتمامًا مماثلًا على المستوى الرسمي من جانب مختلف مؤسسات الدولة المصرية للمشاركة في هذه المرحلة.
وفي تقديركم.. ما المطلوب من الحكومة السودانية لجذب الاستثمارات في مرحلة ما بعد الحرب؟
المرحلة المقبلة تتطلب تقديم حزمة من التسهيلات للمستثمرين، سواء عبر تطوير القوانين المنظمة للاستثمار أو تقديم مزايا وحوافز استثنائية، لأن السودان سيكون في حاجة إلى تدفقات كبيرة من الاستثمارات الأجنبية حتى يتمكن اقتصاده من التعافي والنهوض، وينطبق ذلك أيضًا على المستثمر الوطني، إذ نؤمن بأن إعادة إعمار السودان ستبدأ بأموال وسواعد السودانيين أنفسهم، إلى جانب الاستثمارات والخبرات الأجنبية، لكن البداية يجب أن تكون من المستثمر الوطني، لأنه يمثل عنصر الثقة والطمأنينة للمستثمر الأجنبي.