رؤساء أفارقة من أصول سودانية (3-3) الرئيس محمد بخارى أم جبريل السودانى ؟

السفير عطا المنان بخيت

الرئيس محمد بخارى، جنرال رفيع وسياسي مخضرم، تولى رئاسة نيجيريا مرتين، الأولى بإنقلاب عسكرى فى العام 1983، حيث تمت تسميته رئيساً للمجلس العسكرى وبالتالي أصبح رأس الدولة. ولكن حكومته العسكرية لم تعمر طويلاً حيث قضى عليها إنقلاب آخر قام به الجنرال إبراهيم بابنغيدا فى العام 1985.

خلال فترة حكمه القصيرة بدأ برنامجاُ حازماً لمحاربة الفساد فى مؤسسات الدولة، وتلك مهمة عسيرة وخطيرة لمن يعرفون نيجيريا، ولكن الجنرال الذى تعلم القتال والمواجهة منذ عمر التاسعة عشرة عندما إلتحق بالجيش، وقف بصرامة فى وجه المفسدين. وواصل مهمته المقدسة فى مكافحة الفساد بعد أن ترك كرسي الرئاسة، وبالتالي انخرط في العمل السياسي بقوة. وطوال مشوراه السياسي في الحكم أو المعارضة عرف محمد بخاري بالنزاهة وعفة اليد، والعزيمة الصلبة في مكافحة الفساد ورموزه وواجه صعوبات ومشاكل كثيرة.

ولقد أختبرت بنفسي عزيمته الصلبة في محاربة الفساد، وذلك في اللقاء اليتيم الذى جمعني به فى العام 2015 في باريس، حيث إلتقيت صديقي السفير النيجيرى يحيى الأول وأخبرني أن الجنرال محمد بخاري في باريس ضمن جولة أوروبية للتواصل مع الجاليات تمهيداً لحملته الإنتخابية. طلبت من السفير يحيى أن يرتب لى لقاء مع الجنرال، والذي قبل مشكورا دعوتي له للعشاء في مطعم باريسي، وكانت جلسة ثرة تحدث فيها الجنرال بخاري بصراحة شديدة عن برنامجه لحكم نيجيريا وحكى لنا عن المشكلات التى واجهها من لوبي الفساد المتجذر فى البلاد، وشاركنا في ذلك العشاء، طيب الذكر الصديق السفير ماجد يوسف، رحمه الله، والذي كان فى زيارة لباريس أيضا. سألت الجنرال عن علاقته بالسودان، فقال أنه يحب السودان جداً مثل معظم النيجيريين، ويرى أن السودان يمثل أفريقيا مصغرة، وسألته هل له أقارب فى السودان فأجابني بدبلوماسية قائلا: إن كل سكان شمال وشرق نيجيريا لهم إمتدادات أسرية في السودان، وذلك بسبب طريق الحج الأفريقى وتقارب الثقافات والحياة الإجتماعية.

هذا السؤال وتلك الإجابة تذكرتها بعد سنوات من هذا اللقاء الباريسي، عندما سرت إشاعات قوية في نيجيريا، مفادها أن الجنرال بخاري هو سوداني وليس نيجيري، وإليكم القصة.
فى العام 2015، فاز الجنرال محمد بخاري فى الإنتخابات الرئاسية ، وأصبح أول رئيس منتخب يتسلم السلطة من رئيس منتخب فى تاريخ نيجيريا السياسي المعاصر، وبمجرد إستلامه للسلطة بدأ الرئيس بخاري برنامجه الصارم في محاربة الفساد ورموزه في مؤسسات الدولة، وكان برنامجاً ناجحاً ووجد سنداً شعبياً كاسحاً. ولكن فجأة أصيب الرئيس بخاري بمرض غامض لم يكشف عنه رسمياً، مما اضطره للسفر كثيراً إلى بريطانيا والبقاء في المستشفى لشهور طويلة دون توضيح من رئاسة الجمهورية عن مرض الرئيس.
هذا الغموض الرسمي سمح بسريان شائعات كثيرة كلها تتهم لوبي الفساد في الدولة بمحاولة تصفية الرئيس النزيه، إما بالسحر المنتشر في البلاد أو بالسم الذي دُس له فى الطعام.

فى العام 2019 إنتهت ولاية الرئيس بخاري الأولى، وقرر الحزب الحاكم تقديم الرئيس لولاية ثانية وأخيرة وفق الدستور، وقد تحسنت صحته كثيراً فى تلك الفترة، ولكن المعارضة كانت بالمرصاد. لم تجد المعارضة مجالاً لإتهام الرئيس بخاري بالفساد، ولكنهم جاءوا بتهمة لم تخطر على بال أحد، حيث زعموا أن الرئيس بخاري مات في لندن، ورفض الحزب الحاكم إعلان الخبر للشعب، وأن الرئيس بخارى أصلا سوداني وليس نيجيري، وله أخ يشبهه تماماً إسمه جبريل يعيش فى السودان، جاءوا به إلى لندن ليمثل أنه الرئيس بخاري، وقاموا بتدريبه على مهام الرئاسة. ولذلك فإن المرشح الحالي ليس محمد بخاري وإنما هو جبريل السوداني، فلا تصوتوا له. ولسباكة هذه الشائعة إستغلت المعارضة حادثة وفاة دبلوماسى نيجيري في سفارة نيجيريا فى السودان في تلك الفترة وجرى نقل جثمانه إلى نيجيريا، وقالوا إن الجثمان الذى وصل من السودان هو جثمان الرئيس محمد بخاري الحقيقي، وتم دفنه سراُ. والغريب أن هذه الشائعة الساذجة وجدت رواجاً كبيراً في تلك الفترة، وأصبحت محور الحملة الإنتخابية، مما إضطر الرئيس بخاري نفسه لنفيها مراراً في لقاءاته الإنتخابية. ورغم قوة تلك الاشاعة، فاز الرئيس بخاري الحقيقي في الإنتخابات وإستمر في الحكم حتى نهاية دورته فى العام 2023.

لم تنته قصة جبريل السوداني هنا، فبعد نهاية فترة حكمه مرض الرئيس بخاري مرة أخرى، ونقل للعلاج في لندن حتى توفي فيها في العام 2025 رحمه الله. ولتأكيد أن الرئيس بخاري توفي في لندن فعلا وليس في السودان، حرصت الحكومة على تنظيم كل مراسم الجنازة بشفافية وأمام الكاميرا، حيث نقل التلفزيون جثمان الرئيس بخاري وهو مسجى في المستشفى اللندني، وأرسل رئيس جمهورية نيجيريا نائبه بطائرة خاصة لنقل الجثمان، وأعلن موعد إقلاع الطائرة من لندن، وموعد وصولها إلى أبوجا، والحمد لله أن الطائرة لم تتأخر في الوصول. وجرى إستقبال الجثمان وورى الثرى فى مراسم يستحقها الرئيس بخاري بتاريخه السياسي النظيف. ومع ذلك، مازال هنالك من يقول أن الذى مات هو جبريل السوداني.

Exit mobile version