ذهب دارفور.. كيف يتحول المعدن إلى شريان لاقتصاد الحرب؟
Mazin
يضع التحقيق الذي نشره Sudan Tribune اليوم قضية الذهب في قلب فهم اقتصاد الحرب السودانية. فالصراع على المناجم لم يعد مجرد مسألة سيطرة على أراضٍ غنية بالموارد؛ لقد أصبح جزءاً من شبكة مالية عابرة للحدود تسمح بتحويل الذهب إلى سلاح ووقود ونقد خارج النظام المصرفي. يركز التحقيق على مناطق تعدين في دارفور، بينها جبل عامر ومواقع أخرى، ويقول إن عدداً من المناجم أصبح داخل مناطق عسكرية مغلقة أو شبه مغلقة تخضع لسيطرة قوات الدعم السريع أو شبكات مرتبطة بها. (Sudan Tribune) ولفهم أهمية الذهب، تكفي خاصية واحدة: يمكن تحويله بسهولة إلى مال في أي مكان تقريباً. النفط يحتاج إلى أنابيب وموانئ وناقلات وعقود معقدة. أما الذهب فيمكن صهره وإعادة تشكيله ونقله في سيارة أو طائرة صغيرة، وبعد إعادة تكريره يصبح إثبات مكان استخراجه الأصلي أكثر صعوبة. هذه الخاصية تجعل المعدن مثالياً لاقتصادات الحرب والعقوبات. بحسب التحقيق، تتحرك بعض الشحنات من دارفور جنوباً باتجاه أم دافوق ثم جمهورية أفريقيا الوسطى، فيما تستخدم شبكات أخرى مسارات نحو تشاد. وبعد عبور الحدود يمكن أن يدخل الذهب إلى منظومات تجارية أخرى ويعاد تصديره بمستندات جديدة. (Sudan Tribune) وهنا تحدث عملية «غسل المنشأ». ذهب مستخرج في منطقة حرب داخل السودان قد يظهر في مرحلة لاحقة وكأنه صادر من دولة مجاورة. وهذا يجعل الرقابة الدولية على تجارة الذهب أكثر صعوبة بكثير من فرض عقوبات على شركة أو حساب مصرفي معروف. وللحرب السودانية خصوصية أخرى: مناطق التعدين موزعة جغرافياً بصورة تسمح بوجود اقتصادات شبه مستقلة. الحكومة تسيطر على جزء من قطاع التعدين الرسمي، بينما تسيطر قوات أخرى على مناجم ومسارات تهريب. النتيجة أن الدولة قد تعلن إنتاجاً أو صادرات رسمية بمليارات الدولارات، بينما يوجد في الوقت نفسه قطاع ذهبي غير ظاهر في الأرقام الرسمية. الأثر على الاقتصاد الوطني هائل. كل كيلوغرام ذهب يخرج تهريباً يعني أن الدولة تخسر رسوم الامتياز والضرائب، والمصارف تخسر حصيلة الصادر، وبنك السودان يخسر النقد الأجنبي الذي يحتاجه لتمويل الواردات والدفاع عن العملة. وهنا يتقاطع التحقيق مباشرة مع قرار الحكومة اليوم تشكيل خلية لسعر الصرف. من المستحيل عملياً إصلاح سوق الدولار إذا كان أحد أكبر مصادر العملات الأجنبية يهرب خارج النظام. هناك أيضاً الجانب العسكري. إذا حصل طرف مسلح على الذهب مباشرة، فإنه لا يحتاج إلى تحويلات مصرفية تقليدية يمكن تجميدها. يستطيع بيع المعدن عبر وسيط، والحصول مقابله على عملات أو سلع أو معدات. لهذا أصبحت العقوبات على تجارة الذهب أداة مستخدمة في صراعات عديدة، من روسيا إلى جماعات مسلحة في أفريقيا. لكن نجاح العقوبات يعتمد على التعاون الإقليمي. السودان وحده لا يستطيع وقف شبكة تبدأ في دارفور ثم تعبر تشاد أو أفريقيا الوسطى وتنتهي في مركز عالمي لتكرير الذهب. يجب معرفة من يشتري، ومن ينقل، ومن يصدر، وأي شركة تكرر المعدن. وتكتسب المسألة بعداً سياسياً أيضاً بسبب الاتهامات المتبادلة للدول المجاورة بدعم أطراف الحرب. كلما أصبحت الحدود جزءاً من الاقتصاد العسكري، ازدادت صعوبة الفصل بين التجارة والتهريب والسياسة الخارجية. لكن هناك جانب ينبغي الحذر منه: جزء من تفاصيل الشبكات الواردة في التحقيق يعتمد على مصادر محلية وتحليلات وصور أقمار صناعية، ولا يمكن التعامل مع كل حلقة من حلقاتها باعتبارها مثبتة بالدرجة نفسها. المؤكد هو الصورة الأوسع: اقتصاد الذهب السوداني أصبح منقسماً مثل الجغرافيا العسكرية نفسها. وإذا أرادت الحكومة فعلاً استعادة استقرار الجنيه، فإن معركتها ليست فقط داخل بنك السودان. إنها أيضاً في المناجم، والمعابر الحدودية، والأسواق التي تشتري الذهب، وفي القدرة على تحويل مورد السودان الأكبر من عملة للحرب إلى حصيلة للدولة.