ذاكرة المكان.. حين تتحول الرواية إلى صناعة سياحية

بقلم: محمد يوسف العركي

لطالما آمن الروائيون بأن المدن ليست مجرد تجمعات خرسانية أو إحداثيات على الخريطة؛ بل هي كائنات حية تتنفس عبر الذاكرة، وتنمو من خلال السرد. وحين يشرع الكاتب في تشييد عالمه الروائي، فهو في الحقيقة لا يكتب قصة فحسب، بل يضع حجر الأساس لما يمكن تسميته بـ “المدن الموازية”؛ تلك التي تسكن مخيلة القراء قبل أن تطأها أقدام السياح.

سطوة المتخيّل: “قاهرة محفوظ” نموذجاً
في ثلاثية نجيب محفوظ، لم تعد أحياء “بين القصرين” و”قصر الشوق” و”السكرية” مجرد عناوين بريدية في أزقة القاهرة القديمة. لقد حوّلها محفوظ إلى “أيقونات سردية” عابرة للزمن. اليوم، يذهب السائح للبحث عن “بيت السيد أحمد عبد الجواد” بدافع من فضول أدبي، ليجد نفسه أمام واقع شيدته الرواية قبل أن تعززه السينما.
هنا تكمن المفارقة: المكان المتخيّل في الرواية غالباً ما يكون أقوى حضوراً وأكثر جاذبية من المكان الفيزيائي. فالرواية تمنح الحجر “روحاً”، وتمنح الزقاق “تاريخاً شخصياً” يشعر معه الزائر بأنه لا يزور مدينة غريبة، بل يعود إلى مشهد مألوف.
*فجوة المؤسسة: لماذا تغيب “ود حامد”؟*
إذا انتقلنا إلى تجربة الراحل الطيب صالح، سنجد فجوة عميقة بين القيمة الأدبية والفاعلية السياحية. فرغم أن “موسم الهجرة إلى الشمال” تُدرَّس في أرقى جامعات العالم، إلا أن قرية “ود حامد” لم تتحول إلى مزار ثقافي يضاهي شهرتها.
هذا الإخفاق ليس مسؤولية الأدب، بل هو إخفاق “صناعة السياحة الثقافية” التي لم تدرك بعد أن الرواية هي “بنية تحتية” للخيال الاستثماري. نحن نفتقر إلى “المسارات السياحية” التي تقتفي أثر الشخصيات، ونفتقر إلى “المحتوى البصري” الذي يحول النص المكتوب إلى وجهة مادية ملموسة. فالرواية وحدها تزرع البذرة، لكن السياحة والدراما هما من يحرثان الأرض.

المنطق العالمي: تسويق الوهّم الجميل
في المقابل، نجحت مدن عالمية في تحويل “الحكاية” إلى “اقتصاد”:
دبلن: التي جعلت من “يوليسيس” جيمس جويس خريطة يومية للسياح.
لندن: التي استثمرت في “شارلوك هولمز” لدرجة جعلت له متحفاً وعنواناً حقيقياً في “بيكر ستريت”.
طوكيو: التي تُسوق اليوم عبر “إحساس” موراكامي وموسيقاه وأزقته الغامضة.
هذه المدن لم تتعامل مع الأدب كترف فكري، بل كـ “دليل إرشادي” استطاع تحويل الخيال إلى نشاط اقتصادي مستدام.

الخلاصة: *المدن التي تنتظر الكتابة
إن فشل تحويل الرواية العربية إلى منتج سياحي ( لا سيما في العصر الحالي) يعود إلى غياب “الرؤية التكاملية”؛ حيث يظل النص الأدبي حبيس النخبة، بعيداً عن أعين المخطط الثقافي والمنتج الدرامي.
الرواية ليست مجرد فن سردي، إنها “بوابة” للمدينة. وفي عالمنا العربي، من المحيط إلى الخليج، ثمة مدن كثيرة تنتظر رواياتها الكبرى؛ ليس لتوثيق تاريخها فحسب، بل لتصنع لها “هوية سياحية” قابلة للحب، وقابلة للزيارة، وقابلة للتصوير.
المنطق يقول: إن السائح لا يشتري تذكرة طيران ليزور مكاناً، بل يشتريها ليعيش “قصة” سمع عنها أو قرأها يوماً ما.
والحديث طويل و ذو شجون

Exit mobile version