د.الواثق كمير وتغيير زاوية النظر!

د.ناهد محمد الحسن

تأتي أهمية ورقة الواثق كمير حول “حرب الرؤى والأرضية المشتركة”؛ (تجدها في اول تعليق) لأنها في وقت انشغال الناس في فهم تعقيد المشكلة السودانية، عملت على  تغيّر طريقة النظر نفسها إلى الأزمة السودانية. هذا النوع من الإسهام نادر في سياق سياسي اعتاد القفز مباشرة إلى الشعارات، أو الاحتماء بالحلول السهلة، أو تدوير الفشل بلغة جديدة. وهو ما اختبره الناس من قبل وشكل أزمة ثقة عميقة بين الناس والنخب السياسية.

ما الذي تفعله ورقة الواثق كمير؟

ببساطة عميقة، تنقل ورقة د.الواثق الصراع في السودان من كونه أزمة إدارة…سوء نوايا..  غياب توافق…إلى كونه صراع رؤى متعارضة حول الدولة، والسلطة، والشرعية.

بقدر ما يبدو هذا التوصيف بديهيًا، فإنه في الواقع يهدم سردية سياسية سادت طويلًا، مفادها أن المشكلة تُحلّ فقط بإعادة “جمع الفرقاء” حول طاولة واحدة. فالورقة تقول – بوضوح هادئ – إن ما نعيشه ليس غياب أرضية مشتركة فحسب، ولكن غياب اتفاق أصلاً على معنى الدولة، ووظيفتها، ومن يملك حق تمثيلها. ولهذا فإن أي حديث عن “توافق” يتجاوز هذه الأسئلة، إنما يعيد إنتاج الأزمة لا حلها.

من الاتفاقات المرحلية إلى الأسئلة التأسيسية

أحد أقوى إسهامات الورقة هو نقدها الضمني لتاريخ الاتفاقات السياسية في السودان. فهي تضع يدها على نمط متكرر،  لاتفاقات تنجح مؤقتًا في تهدئة المركز، لكنها تترك جذور الصراع قائمة في الأطراف، ثم تعود الحرب بأشكال أعنف. وهو ما لمسته شخصيا في حوارات الكثيرين، لاسيما الذين يصطفون خلف الدعم السريع يأسا من قدرة انقاذ الهامش والاطراف بشكل جذري دون سلاح.

من منظور علم الاجتماع السياسي، هذا النمط ليس صدفة.

فالدول التي ورثت مؤسسات استعمارية هشة، ولم تُنجز عقدًا اجتماعيًا حقيقيًا، تميل إلى إدارة أزماتها عبر التسويات النخبوية العجولة التي لا تعمل عبر إعادة التأسيس. والسودان ليس استثناءً هنا. الورقة، في هذا السياق، لا تدعو إلى هدم كل ما سبق، لكنها توقظنا من وهم  أن وقف الحرب وحده، دون معالجة شروطها البنيوية، كفيل بإنهاء العنف.

لماذا لا تكفي “الأرضية المشتركة”؟

من زاوية علم النفس السياسي، المجتمعات الخارجة من الحروب لا تبحث فقط عن السلام، ولكنها تبحث ايضا عن معنى لما حدث.

حين يُطلب من الناس القفز مباشرة إلى “الأرضية المشتركة” دون الاعتراف بالخلافات العميقة، يتولد ما يُعرف بـالجرح الأخلاقي الجمعي، وهو إحساس عميق  بأن الحقيقة جرى طمسها باسم الاستقرار.

هنا تلتقي الورقة مع ما نعرفه من تجارب جنوب أفريقيا، وكولومبيا، وإسبانيا بعد فرانكو. ففي تجارب هذه الدول، لم تُبنَ الوحدة الوطنية عبر القفز فوق الخلاف، وإنما عبر تسميته، وتحمل كلفته، وإدارته علنًا دون انكار.

وبقدر ما يبدو هذا المسار أبطأ، إلا أنه الوحيد القادر على إنتاج وحدة غير قابلة للانفجار لاحقًا.

توسيع الأفق: من التشخيص إلى الحلول البنيوية

انطلاقًا من روح ورقة الواثق كمير، يمكن بلورة حزمة حلول لا تناقض طرحه، بقدر ما تخطو به خطوة إلى الأمام.

أولًا، حل أزمة الدولة لا يبدأ بحكومة جديدة، وإنما بعملية تأسيس سياسي تعترف بأن الدولة القديمة فقدت شرعيتها. هذا لا يعني الفراغ، بقدر ما يعني الانتقال من سياسة انتقالية متعثرة إلى سياسة تأسيسية واضحة المعالم..وعلى حد علمي كثير من علماء السودان يعرفون تماما اين تقبع مشكلة مؤسسات الدولة المختلفة وبمقدورهم حسب اختصاص كل منهم ان يضعوا تصورات تفصيلية عن كيفية معالجة كل مشكلة. بدءا من الدستور، المؤسسات القانونية والعدلية،الجيش،  الصحة، التعليم، ..الخ

ثانيًا، في ما يخص السلاح، تُظهر تجارب التحول أن نزع السلاح لا ينجح قبل نزع شرعيته السياسية والاجتماعية. أي حديث عن دمج أو إصلاح أمني لا يُسبق بتجريم التمثيل السياسي المسلح سيبقى حبرًا على ورق.

ثالثًا، أزمة الثقة ليست – كما يُشاع – أزمة أشخاص فقط، وإنما أزمة بنية نخبوية مغلقة. الحل هنا لا يكون بإعادة تدوير الوجوه، ولكن  بنقل مركز الفعل السياسي إلى القواعد الاجتماعية، كالحكم المحلي، النقابات، التنظيمات القاعدية، والفضاءات التي يشعر فيها المواطن أن صوته له أثر.

رابعًا، مسألة الإسلاميين – التي كثيرًا ما تُختزل في ثنائية الإقصاء أو الدمج – تحتاج مقاربة أكثر نضجًا. لا إقصاء شامل يعيد إنتاج المظلومية، ولا دمج بلا شروط يعيد إنتاج الهيمنة. الشرط الحاسم هو فك الارتباط بالسلاح، والخضوع لقواعد دستورية واضحة، ومحاسبة المتورطين في الجرائم، وترك الفصل النهائي لإرادة الناخبين بعد تأسيس الدولة.

خامسًا، أما الخارج، فلا يمكن تجاهله ولا الارتهان له. الدول الخارجة من الحرب التي نجحت، لم تطرد الوساطة الدولية، لكنها حوّلتها من وصاية إلى إدارة مصالح بشفافية ووفد مدني موحد.

لماذا هذا الطرح مهم الآن؟

أهمية ورقة الواثق كمير، وما يمكن أن يُبنى عليها، تكمن في أنها تفتح نافذة نادرة في الخطاب السياسي السوداني.  نافذة تقول إن الصدق مع الذات قد يكون مؤلمًا، لكنه أقل كلفة من الكذب المؤجل…هي لا تعد بالسلام السريع، لكنها تحذّر من سلام زائف.

ولا تدعو إلى وحدة شكلية، لكنها تهيئ لشروط وحدة حقيقية.

في زمن تُغري فيه الحلول السهلة، يصبح تغيير طريقة التفكير فعلًا سياسيًا بحد ذاته.

ومن هذه الزاوية، فإن هذا الإسهام لا يضيف ورقة جديدة إلى النقاش فحسب، ولكن يساهم في إعادة تعريف السؤال نفسه:

ليس كيف نخرج من الأزمة؟ ولكن أي دولة نريد أن نخرج إليها؟

Exit mobile version