رأي

دارفور بين الذاكرة القبلية وأمل الوطن – الذي كاد  ان يختطف 2/3

 إبراهيم إسماعيل

وفي مداخلتي التي أكدتُ فيها أن وصول القافلة إلى القرى يعني إجازة تقريره الأمني بالبرلمان، جاء رد سعادة الفريق الدابي

قائلا

“مبروك أبنائي… والقافلة تسافر بالطائرة.”

وبالفعل، تم توجيه طائرة عسكرية لنقل قافلة طلاب دارفور بجامعة الخرطوم، برئاسة عبد المنعم سليمان (عطرون) الناشط السياسي المقيم حاليًا في النرويج، و حينها كان مدير مكتب سعادة الفريق الدابي، رئيس مجلس السيادة الحالي الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان.

  فالقبلية   متجذرة  ، في اقليم دارفور مع  استثناءات محدودة  اما مدينة الفاشر،  يعلو فيها مفهوم الوطن. بينما في بقية المناطق، فإن الجغرافيا  “تتنفس قبلية ويجد الإنسان نفسه  غريبًا داخل وطنه،لذلك تحتاج تدخل( الدولة  ) حيث  يلعب المال دورًا مؤثرًا في تشكيل الولاءات، بعيدًا عن مفهوم الوطنية…..

ولعل أخطر ما في هذا الواقع أنه يتغذى على غياب المثقف. فكلما تراجع دوره، تمددت القبلية وملأت الفراغ، وأُعيد تشكيل المجتمع على أسس ضيقة. لم يكن صعود القبيلة في دارفور مسارًا طبيعيًا، بل جاء نتيجة مباشرة لتغييب المثقف عن الفعل العام، وتحويله إلى صوت هامشي، في مقابل صعود قيادات قبلية رأت فيه تهديدًا لمصالحها، لأن المثقف بطبيعته ناقد، يكشف الخلل ولا يكرّسه.

وخلال فترة حكم الرئيس المعزول عمر البشير،كما اسلفت  تعزز هذا الاتجاه عبر سياسات كرّست النفوذ القبلي، ومنحت الامتيازات على أساس الولاء لا الكفاءة، لترسخ معادلة مختلة:

تشير الي القرب من القبيلة طريق إلى (النفوذ) والابتعاد عنها (خسارة) مؤكدة!!

ورغم سقوط النظام، لم تتلاشَ هذه البنية، بل استمرت (بأشكال) مختلفة، وظل تأثيرها حاضرًا في تشكيل الوعي. وكانت النتيجة الأبرز هي تراجع الانتماء (الوطني) حيث تقدمت (القبيلة )على الوطن، وأصبح الدفاع عن المصالح الضيقة يعلو على فكرة (الدولة)

بل إن الأمر بلغ مرحلة أكثر خطورة، حين كاد الوطن أن (يُختطف) من قبل مجموعات قبلية معلومة تعمل لصالح جهات (خارجية) وجدت هذه الجهات  هشاشة الوعي مدخلًا لتعميق الانقسام، وزيادة تعقيدات المشهد الوطني في ظل العولمة وتشابك (المصالح)

ومع ذلك، لا يخلو الأفق من مؤشرات إيجابية. فثمة وعي جديد بدأ يتشكل، يُدرك أن استمرار هذا المسار يعني( تفكك) الدولة. وهذا الوعي يطرح ضرورة إعادة الاعتبار (للمثقف) ليس بوصفه معارضًا فقط، بل كشريك أساسي في بناء الوعي وصياغة (المشروع الوطني)

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إلغاء القبيلة، بل في إعادة وضعها في إطارها الاجتماعي الطبيعي، دون أن تتحول إلى بديل عن الدولة. فبناء وطن مستقر يتطلب ترسيخ مفهوم الوطنية، بوصفه الإطار الجامع الذي يعلو فوق كل الانتماءات الضيقة، ويعيد تعريف العلاقة بين الفرد والدولة على أساس الحقوق والواجبات، لا الولاءات الضيقة نواصل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى