رأي

«خمسون سنة … من المودة»

● د. أمين حسن عمر عبد الله
#رحم_الله_د_تجاني

بعض الأخبار مثل الطلقة المسددة لا تصيبك فتجرحك فحسب بل أنها تربك القلب والعقل والكيان ، وما مثل أخبار إرتحال أهل المودة من أنباء تود أنك لا تسمعها قط ولا تنقل إليك البتة ، لكننا في زمان كأنما يستتبشر فيه المتعجلون بالوسائط بنشر سيئات الأخبار والأحداث و محزناتها . وقد نزل عليّ خبر وفاة الصديق الصدوق د. التجاني عبد القادر كما يخر السقف على غافلٍ من علٍ ، فما أحار إلا الوجوم . خمسون عاما وتزيد هي عمر المودة مع د. تجاني ، تعارفنا في الجامعة حتى قبل أن أكمل تحويل رحلي من اليسار إلى اليمين فقد كان تجاني منذ قدومه للجامعة معروفا ومألوفا يألف ويؤلف ثم جمعتنا السياسة الطلابية والعمل الدعوي والفكري مابعد الجامعة ثم فترة قصيرة أخرجناه من السجن بترتيب ماكر فما كان يسعنا أن يعتقل تجاني ويحبس ، ثم إلتقينا من جديد في بريطانيا ثم بعد عودته من البعثة هنالك إلى الخرطوم وإبان ذلك جمعنا النشاط المشترك في معهد الدراسات الاجتماعية حيث نشر د تجاني كتابيه عن الإسلام والزنوجة وكتاب الاقتصاد السياسي للفقر وعملنا سويا في كتاب المشروع الإسلامي الحضاري في السودان. وأثناء ذلك تشاركنا في عشرات المنتديات واللقاءات والندوات والمحاضرات . وبعد الإنقاذ تشاركنا معه و مع دكتور سيف الدين محمد أحمد في التحضير لمؤتمر الحوار حول النظام السياسي تحت الإشراف المباشر للدكتور الترابي وكانت الخطة أن د. التجاني هو من سيقدم الورقة الرئيسة في المؤتمر توطئة لتقديمه أمينا عاما للتشكيل الجديد فقد كان من رأي الدكتور الترابي أنه الأنسب لقيادة المرحلة السياسية المقبلة . بيد أن دكتور التجاني وقبل يوم من المؤتمر أعتذر عن الدور المعد له وكان تبرير أعتذاره أنه يجد نفسه أكثر في العمل الفكري والثقافي وليس السياسي يومذاك رأيت الدكتور الترابي محبطا وغاضبا وانتهى الأمر إلى تكليف كادر عسكري بالمهمة وهو العقيد حسن حمدين وظل د. الترابي يحملها على د التجاني واعتذر الدكتور التجاني أيضا بينما ما كان يشغل منصب رئيس إدارة التأصيل في وزارة التعليم العالي أعتذر عن منصب نائب والي ولاية كردفان لذات السبب وكنت ذهبت لدكتور الترابي لاقناع تجاني بقبول المنصب لكنه كان يرى أن د التجاني محق فهو رجل فكر وتأصيل وليس رجل إدارة . ثم جاءت فكرة تأسيس مجمع للفكر الإسلامي يكون مضاهيا لمنظمة الدعوة الاسلامية فكانت فكرة هيئة الأعمال الفكرية التي وضعت ود. تجاني تصور تنظيمها ومشروعاتها وكانت الفكرة أن يتولى د . التجاني أمانتها العامة ولكن د. الترابي رأى. أن عمل د. تجاني في التأصيل للتعليم الجامعي أهم من عمله في منظمة ناشئة مثل هيئة الأعمال الفكرية .بيد ان العمل في إدارة التأصيل لم يمض على نحو يمكن الدكتور التجاني من إنجاز ما كان يراه من رؤى وافكار. وعندما جاء عرض من الجامعة الاسلامية في ماليزيا قبله التجاني بغير حماسة ولكن ظروف عديدة جعلته يقبل به وبذلك خسر السودان والإنقاذ كادرا ورمزا كان يمكن أن يكون له في مشروعها إسهام عظيم. ومن الجامعة الاسلامية ذهب د. تجاني لأمريكا ثم دبي ثم قطر وواصل مشروعه الفكري في نواحيه المتعددة. ولم ينقطع التواصل بيننا طوال إغترابه الطويل وكان آخر عهد لي بلقاء مطول معه هي عشرة أيام قضيتها في عام مضى في ضيافته في نزله الذي وفرته له جامعة قطر وكانت فرصة للجدال حول الأفكار للمثاقفة التي لا يمنحك إياها إلا أمثال د التجاني بتأملاته الرحبة وفكره الثاقب وعقله الحر الطليق… ألا رحم الله د التجاني وجعل مثواه الجنة بين خيرة الصالحين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى