خرطوم ما بعد الحرب: الألغام تضع «فاتورة أمنية» أمام إعادة الإعمار
Mazin
من السهل تصور إعادة إعمار الخرطوم باعتبارها مسألة طرق وجسور ومحطات كهرباء وشبكات مياه ومبانٍ حكومية. لكن أحدث تقرير لدائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام يكشف طبقة أخرى من المشكلة: قبل إصلاح كثير من هذه المنشآت، يجب التأكد أولاً من أنها آمنة من الألغام والذخائر غير المنفجرة. تقول UNMAS إن 108 أشخاص قتلوا أو أصيبوا في 38 حادثة متفجرات خلال النصف الأول من 2026، وإن قرابة نصف الضحايا في الخرطوم والجزيرة، وهما المنطقتان اللتان تستقبلان أعداداً كبيرة من العائدين. الأطفال يمثلون 55% من الضحايا الذين عُرف عمرهم. (The United Nations in Sudan) هذا الرقم وحده يوضح طبيعة الخطر: العودة إلى المنزل أصبحت في بعض الأحياء نشاطاً ينطوي على مخاطر تشبه الدخول إلى منطقة عمليات. لكن التقرير يحتوي على نقطة أكثر حساسية: حقول ألغام جديدة في وسط الخرطوم، بينها موقع عند مشروع لتأهيل جسر يعبر النيل. هذه المعلومة لها أثر اقتصادي مباشر. الجسر ليس مجرد منشأة؛ هو عقدة نقل. وإذا كانت أعمال صيانته تحتاج أولاً إلى مسح وإزالة ألغام، فإن الزمن والتكلفة اللازمين لإعادته إلى الخدمة يرتفعان. وينطبق الأمر نفسه على السكك الحديدية والمدارس والمستشفيات والمطارات والمخازن الحكومية. منذ أبريل 2023، تقول UNMAS إنها أعادت أكثر من 4.2 مليون متر مربع للاستخدام الآمن وأزالت 30,698 قطعة من الذخائر المتفجرة. واللافت أن الرقم ارتفع بسرعة. ففي تقرير الربع الأول كانت المساحة التي أعيدت للاستخدام نحو 2.8 مليون متر مربع وعدد الذخائر المزالة 18,768 قطعة. (The United Nations in Sudan) هذا يعني أن عمليات إزالة المتفجرات تسارعت مع عودة المؤسسات والسكان. لكن حجم العمل ما يزال ضخماً. الحرب في الخرطوم لم تكن حرب خطوط ثابتة فقط؛ شهدت اشتباكات في أحياء سكنية ومؤسسات ومطارات وطرق وجسور، واستخدمت فيها المدفعية والصواريخ والقنابل والمسيّرات. كل ذخيرة لم تنفجر لحظة سقوطها يمكن أن تتحول إلى خطر بعد الحرب. كما أن الألغام المضادة للأفراد أو المركبات تختلف عن الذخائر غير المنفجرة في التعامل معها. بعضها موضوع عمداً وقد تكون هناك خرائط له، بينما البعض الآخر منتشر بصورة عشوائية. وفي حالة الخرطوم، جزء من المشكلة هو أن التحركات العسكرية كانت سريعة، وبالتالي قد لا توجد سجلات كاملة لكل المواقع. هذه المخاطر تغير اقتصاد الإعمار نفسه. شركة مقاولات لا تستطيع ببساطة الدخول إلى مبنى أو موقع صناعي دون تقييم أمني. وقد تحتاج الدولة إلى دمج تكلفة إزالة المتفجرات في ميزانيات كل مشروع كبير تقريباً. كما سيكون لشركات التأمين والممولين شروط إضافية. وهناك أثر اجتماعي لا يقل أهمية. السكان الذين يعودون إلى المنازل قد لا ينتظرون فرق المسح. كثيرون يدخلون الممتلكات مباشرة لجمع الأثاث أو تنظيفها أو البحث عن معادن قابلة للبيع. وهذا يفسر جزئياً نسبة الأطفال المرتفعة بين الضحايا، إذ إن الأطفال أكثر عرضة لالتقاط أجسام غريبة أو اللعب بها. لذلك فإن التوعية ليست نشاطاً دعائياً ثانوياً. UNMAS تقول إنها وصلت إلى أكثر من 340 ألف شخص بتوعية مخاطر المتفجرات، لكنها تحذر في الوقت نفسه من أن عدد الحوادث الحقيقي ربما يكون أعلى بسبب نقص الإبلاغ. والتحدي الآخر هو التمويل. إزالة الألغام عملية بطيئة ومكلفة وتتطلب متخصصين ومعدات ومعايير أمان دقيقة. لا يمكن تسريعها ببساطة بما يتناسب مع سرعة عودة ملايين السكان. هنا يظهر تناقض أساسي: المجتمع يريد العودة سريعاً، بينما إزالة آثار الحرب تحتاج إلى سنوات. وهذا يعني أن الخرطوم قد تدخل مرحلة «مدينة تعمل جزئياً»: شارع مفتوح وشارع مغلق، جسر يعمل وآخر يخضع للمسح، مدرسة عادت وأخرى ما تزال منطقة خطرة. إعادة إعمار الخرطوم، إذن، ليست مجرد إعادة ما تهدم. إنها أيضاً إزالة الحرب من الأرض نفسها.