روح متجددة
بقلم: عصماء عاصم
في حياة البشر مسافاتٌ شاسعة لا تقاس بالمسافات بين البلدان، بل بما يفصل نفساً عن أخرى في نظرتها إلى الإنسان وحقوقه. فمنهم من يؤلمه أن يكون قد جرح أحداً بكلمة، ومنهم من لا يجد حرجاً في سلب حق أو إلحاق أذى، حتى يبلغ الأمر ببعضهم استباحة روحٍ لا ذنب لها. وبين هذه المواقف تتكشف حقيقة الضمير، وتتباين الحدود التي تقف عندها النفوس.
ولعلّ اختلاف الناس في هذه الحدود يعود إلى عوامل شتى؛ فالفطرة التي جُبل عليها الإنسان تتأثر بالتربية والبيئة والتجارب، غير أن تلك العوامل لا تسلبه مسؤولية اختياراته. فليس كل من امتنع عن الأذى قد فعل ذلك رحمةً بغيره؛ فقد يمنعه الخوف من العقوبة، بينما يمنع آخرَ إحساسٌ عميق بحرمة حقوق الناس. وبين الدافعين فرقٌ يكشف الكثير عن حقيقة الإنسان.
وتبلغ المأساة أقساها حين تُستباح الدماء. فقد يجد من يقتل بدافع الثأر أو الخصومة في غضبه ذريعةً يبرر بها فعلته، وإن لم يكن في ذلك ما يبيحها. لكن أيّ ذريعة تسعف من يقتل إنساناً لا يعرفه، ولا يعرف اسمه أو حكايته، ولا تجمعهما خصومة؟ كيف يصبح مزارعٌ في أرضه، أو طبيبٌ يؤدي رسالته، أو أستاذٌ بين طلابه، هدفاً لعنفٍ لم يكن طرفاً فيه؟ وأيّ ذنب اقترفه إنسان حتى يدفع حياته ثمناً لغضب غيره؟
إن الأخطر من الاعتداء على الإنسان أن يُجرّد أولاً من إنسانيته؛ حين يُختزل في انتمائه، أو يُحمّل وزر جماعة، أو يصبح ضحية خطابٍ لا يرى فيه سوى خصم. عندها يسهل على المعتدي أن ينسى أن وراء ذلك الوجه حياةً وأهلًا وأحلاماً لا يعرف عنها شيئاً.
ولا تنفصل هذه المأساة عن أخلاق السلطة؛ فالنفوذ الذي يُمنح لصاحبه ليحفظ الحقوق قد يتحول، حين تغيب المحاسبة، إلى وسيلة للاستعلاء والبطش. وليس كل صاحب سلطة ظالماً، لكن السلطة تظل أمانة لا امتيازاً، ولا يبررها منصبٌ ولا تطيل بقاءها نشوة القوة. فما أقصر عمر المواقع، وما أبعد وهم الخلود عن حقيقة الإنسان.
ويمتد غياب الضمير إلى ما هو أبعد من القتل؛ إلى فسادٍ يستبيح حقوق الناس، وتعصبٍ يمزق روابطهم، وخطاب كراهية يمهد للعنف، وحروبٍ تقتلع البشر من ديارهم. وفي كل ذلك تتكرر الحكاية ذاتها: مصلحة تُقدَّم على حق، وغضب يُقدَّم على عدل، وقوة تنسى أن لها حدوداً.
أما القتل، فله من الفقد ما لا تجبره الكلمات. قد يُردّ مالٌ سُلب، وقد يُطلب الصفح عن إساءة، لكن كيف يُسترد عمرٌ انتُزع؟ ومن يسمع اعتذاراً وُجّه إلى إنسان غاب إلى الأبد؟ فالقتيل لا يترك وراءه فراغاً في مكانه فحسب، بل يترك قلوباً تنتظر، وأطفالاً يكبرون على الغياب، وأهلاً يحملون وجعاً لا يمحوه الزمن بسهولة.
ومع عِظَم الذنب، تظل رحمة الله باباً لا يجوز إغلاقه في وجه التائب، غير أن التوبة لا تعني التنصل من المسؤولية، ولا تجعل حقوق الضحايا وذويهم أمراً هيناً أو منسياً. فالضمير الذي غاب عن لحظة الاعتداء لا ينبغي أن يغيب مرة أخرى عن تبعاته.
وفي النهاية، لا تُقاس إنسانية المرء بما يملكه من قوة، ولا بما يستطيع فرضه على الآخرين، وإنما بما يصونه من حقوقهم حين يكون قادراً على انتهاكها. فإذا كانت القوة قد منحت الإنسان القدرة على أن يؤذي، فما الذي يمنعه من ذلك حين يغيب الضمير؟