ثقافة وفنون

حين يصبح الإبداع بلا صاحب.. أزمة الاعتراف بحقوق صنّاع الأغنية السودانية

الأحداث: ماجدة حسن
«تعبت من الجحود يا ناس».. عبارة كتبها الشاعر والملحن عماد يوسف، لكنها تتجاوز في معناها حالة شخصية لتفتح الباب أمام قضية ظلت تتكرر في الوسط الفني السوداني: من يحفظ حقوق الذين يصنعون الأغنية؟
وجاء حديث يوسف على خلفية عمل فني من كلمات الشاعر عبدالعال السيد، قدمته بصوتها الفنانة فدوى فريد، من دون الإشارة ـ بحسب حديثه ـ إلى اسم الملحن الذي وضع اللحن وقدمه للعمل. ويقول يوسف إنه كان يتابع المنشور ويفكر في اعتزال الوسط الفني، خصوصاً في ظل غياب التقدير الأدبي والمادي، مضيفاً: «تعبت من السفر يا ناس، وتعبت من الجحود ونكران الجميل».
وبعيداً عن تفاصيل الواقعة التي تحتاج إلى رد الأطراف المعنية، فإن القضية التي يطرحها حديث يوسف أكبر من أغنية واحدة؛ فهي تتعلق بثقافة الاعتراف داخل الصناعة الفنية السودانية، وبالعلاقة بين المغني والشاعر والملحن والموزع والمنتج.
فالأغنية في النهاية ليست صوت الفنان وحده. خلف كل عمل ناجح سلسلة من المبدعين، وقد يصبح صوت المغني هو الأكثر حضوراً لدى الجمهور، بينما تختفي أسماء الشاعر والملحن والموسيقيين الذين شاركوا في صناعة العمل.
ولم تكن هذه الإشكالية جديدة على الأغنية السودانية. فقد شهدت السنوات الماضية مواقف وخلافات حول أداء أعمال سودانية ونسبتها، من بينها الجدل الذي أثير حول أغنية «وسط الدايرة»، حين تحدث ملحنها عن أداء محمد منير للأغنية في حفلات عامة من دون التفاوض معه أو الاكتفاء بذكر اسمه باعتباره صاحب اللحن.
وتزداد أهمية القضية مع وجود تشريعات سودانية واضحة في مجال حقوق المؤلف والحقوق المجاورة. فقانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة والمصنفات الأدبية والفنية لسنة 2013 ينص على حق المؤلف في نسبة المصنف إليه، ويحمي كذلك حقوقه المالية، بما في ذلك الاستغلال والأداء العلني، كما يقر حقوقاً أدبية ومالية لفناني الأداء.
لكن المشكلة لا تبدو قانونية فقط. فحتى عندما تكون الحقوق منصوصاً عليها، يبقى الاعتراف الأخلاقي جزءاً أساسياً من احترام المبدع.
أن يكتب شاعر قصيدة، ويضع ملحن لحناً، ثم يؤديها مطرب، ليست مسألة هامشية في صناعة الأغنية؛ إنها شراكة إبداعية يفترض أن تظهر أسماء أطرافها بوضوح.
حديث عماد يوسف يعيد طرح سؤال مؤجل: هل يحتاج المبدع السوداني إلى أن يحتج كل مرة حتى يحصل على أبسط حقوقه: أن يُذكر اسمه؟
وربما آن الأوان لأن ينتقل الوسط الفني من ثقافة المجاملات والاعتماد على «المعروف بين الناس» إلى ثقافة مهنية واضحة، تحفظ أسماء المبدعين وحقوقهم الأدبية والمادية، وتضع الاتفاقات والتوثيق في مقدمة أي عمل فني.
فالجحود لا يسرق المال فقط، بل قد يسرق من المبدع الرغبة في مواصلة الإبداع.
وعندما يقول فنان أو ملحن: «تعبت من الجحود»، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يسمعه الوسط كله هو: كم مبدعاً غادر المشهد لأنه لم يجد الاعتراف الذي يستحقه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى