حين يخرس القانون… تسود الواسطة والمحسوبية، فلماذا لا تقوم الدولة إلا بكسر التواطؤ؟

عبدالعزيز يعقوب-فلادليفيا

ayagoyb@gmail.com

10 فبراير٢٠٢٦

الدولة لا تنهار لقلة القوانين، ولا لضعف النصوص، بل بالسكوت على التواطؤ. حين يتحول الصمت إلى سياسة غير معلنة، والتغاضي إلى سلوك مؤسسي، يخرس القانون ويتحول من أداة عدل إلى واجهة شكلية، فيما تبدأ الدولة في التآكل من الداخل بهدوء ودون إعلان.

الأزمة ليست في النصوص؛ فالقوانين موجودة، واللوائح مكتوبة، والعقوبات معلنة. الأزمة الحقيقية تكمن في غياب الإرادة والمشيئة لتنفيذ القانون على الجميع بصرامة و بلا استثناء، وفي قبول ضمني بأن هناك من يُحاسب، ومن يُستثنى. هنا يتسلل التواطؤ بهدوء ، مسؤول يرى المخالفة فيصمت، موظف يمرر الخطأ طلبًا للسلامة او للرضا من المسئول الأول، جهاز رقابي يعرف ويتردد، ونخبة تفهم وتبرر. هكذا لا يُنتهك القانون فجأة، بل يُخرس تدريجيًا.

في هذا المناخ تزدهر الواسطة، وتُشرعن المحسوبية. لا يعود المواطن يسأل عن حقه، بل عن الطريق الأقصر إليه. لا يبحث عن القانون، بل عن من “يعرف من”. وحين تصبح العلاقات أقوى من النصوص، تفقد الدولة قدرتها على إقناع مواطنيها بعدالتها، ويتصدع العقد الاجتماعي القائم على المساواة أمام القانون.

ومع الوقت، تتحول الأجهزة الرقابية إلى هياكل قائمة في الشكل وغائبة في الجوهر. تُنشأ بلا استقلال حقيقي، وتُقيّد بالتدخلات، وتُحاصر بالخوف ونقص الموارد، فتفقد قدرتها على المحاسبة، وتتحول من حارس للنزاهة إلى شاهد صامت على الانتهاك. والخطر هنا ليس في وجود الفساد وحده، بل في تطبيع السكوت عليه.

الخروج من هذه الأزمة لا يكون بإصدار قوانين جديدة، بل ببداية سياسية وأخلاقية واضحة تعيد الاعتبار لتطبيق القانون لا لتزيينه. بداية تعلن فيها الدولة أن لا أحد فوق المساءلة، وأن الواسطة جريمة لا “مجاملة”، وأن المحسوبية اعتداء صريح على الحق العام، لا سلوكًا اجتماعيًا مقبولًا.

هذه البداية تتطلب تفعيلًا حقيقيًا للأجهزة الرقابية، بضمان استقلالها القانوني والمؤسسي، وحماية قياداتها من أي تدخل، وربط نتائج عملها بإجراءات قضائية واضحة وسريعة. رقابة تملك سلطة الوصول والتحقيق والمساءلة، لا الاكتفاء بتقارير تُكتب لتُنسى.

كما تتطلب فتح قنوات آمنة وموثوقة للتبليغ عن الفساد، يشعر معها المواطن أن الدولة تقف في صفه لا ضده. بلاغات تُستقبل بجدية، وتُعالج بسرعة، وتُقابل بحماية كاملة للمبلّغين، حتى لا يتحول كشف المخالفة إلى مخاطرة شخصية أو عقوبة غير معلنة.

وسرعة الاستجابة ليست تفصيلًا إداريًا، بل جوهر العدالة. فالتأخير يقتل الثقة، والتجاهل يرسّخ القناعة بأن الصمت هو الخيار الأسلم. العدالة البطيئة إنكار مقنّع، والمحاسبة غير المرئية فقدان للهيبة.

حين تسلك الدولة هذا الطريق، فإنها لا تحارب الفساد فحسب، بل تعيد بناء علاقتها مع المواطن. تعيد للقانون سلطته، وللمؤسسات معناها، وللمواطن إحساسه بأن حقه مصان لا يُمنح بوساطة، ولا يُسحب بنفوذ. عندها يُغلق باب الواسطة، ليس لأن الناس تغيّروا فجأة، بل لأن الدولة أدت دورها.

الدولة القادرة على البقاء ليست تلك التي تكثر القوانين، بل تلك التي تكسر الصمت، وتواجه التواطؤ، وتضرب الواسطة والمحسوبية وتطبق القانون على الجميع بلا استثناء. عند هذه النقطة فقط، تبدأ الدولة بداية جديدة… بداية تقف فيها إلى جانب المواطن، لا فوقه ولا ضده.

Exit mobile version