حين تتحول المعلومة الاستخبارية إلى صاروخ… هل يعود شبح مصنع الشفاء بالكلور إلى السودان؟

بقلم: عبدالعزيز يعقوب- فلادليفيا
‏ayagoub@gmail.com
٩ سبتمبر ٢٠٢٥

(١)
ليس أخطر على وطنٍ أنهكته الحرب من أن تتحول مأساته إلى سوقٍ للاتهامات، وأن يصبح وجعه وقوداً لروايات تتناقلها السياسة والإعلام حتى تكتسب من التكرار قوةً ليست لها من الحقيقة.
وحين يتعلق الأمر بالأسلحة الكيميائية، فالأمر ليس خبراً عابراً ولا مادة للمزايدة؛ إنها تهمة بالغة الخطورة، تستوجب من العدالة أعلى درجات التثبت، ومن السياسي والناشط قدراً أكبر من المسؤولية والمصداقية.
جاء تقرير «نيويورك تايمز» الأخير حاملاً ملفاً قدمه جهاز استخبارات شرق أوسطي (؟؟)لم تُكشف هويته، يتضمن وثائق وصوراً وتسجيلات ورسائل، ويزعم وجود برنامج سوداني لإنتاج ذخائر تحتوي على الكلور واستخدامها خلال الحرب. ولا يصح تجاهل هذا الملف، كما لا يصح التعامل معه بوصفه حكماً نهائياً؛ فهو يفتح باباً للتحقيق، ولا يغلقه. وقد أشار خبراء إلى أن الحسم يحتاج إلى أدلة ميدانية وفحص مستقل.
(٢)
وهنا ينبغي أن يتقدم السؤال العدلي على السؤال السياسي وهو ما الذي نعرفه؟ وما الذي نستنتجه؟ وما الذي يمكن إثباته؟
لجان التحقيق لا تبدأ من هوية المتهم، ولا من رغبتها في إدانته أو تبرئته؛ تبدأ من الواقعة. تفحص مصدر المعلومات، وطريقة الحصول علي المعلومة، وتختبر الوثائق والصور والتسجيلات، وتبحث عن العينات المادية وسلسلة حيازتها، ثم تربط النتائج بالسلاح والمكان والزمان والجهة المسؤولة. تلك ليست شكليات، وإنما هي الطريق الوحيد الذي يفصل الحقيقة عن الرواية.
ولا يحتاج السياسي أو الناشط إلى أن يكون كيميائياً أو ضابط استخبارات حتى يدرك هذا الفارق؛ يكفي أن يعرف أن ما يصل إلى الصحيفة أو الشاشة قد يكون بدايةً لسؤال، لا نهايةً له.
ونحن لا نعرف جهاز المخابرات الشرق أوسطي الذي قدم الملف، ولا دوافعه الخاصة ، ولا ظروف حصوله على المعلومات، ولا ما الذي اختار أن يضعه في روايته وما الذي استبعده. وهذا لا يثبت صحت ما ورد فيه، كما لا يمنحه حصانة من الفحص؛ لكنه يجعل التحقق المستقل ضرورة لا خياراً.
فالخطر يبدأ حين تنتقل الرواية من جهاز استخبارات إلى صحيفة، ومن الصحيفة إلى شاشة، ومن الشاشة إلى سياسي يبحث عن مجد ثم وسائل التواصل، حتى تستقر في الوعي والذاكرة العامة كأنها حقيقة مكتملة. عندها يصبح التكرار بديلاً وهمياً عن الإثبات ، ويغدو ما ردد كثيراً كأنه حقيقة للأسف .
ومن هنا تأتي مسؤولية الإعلام المحترف والسياسي المحترم. فالإعلام يستطيع أن يفتح الملف، والسياسي يستطيع أن يطالب بالتحقيق، لكن كليهما يفقد شيئاً من مصداقيته حين يقدم رواية استخباراتية باعتبارها حكماً نهائياً، أو يحول صورة غبار ودخان في ساحة معركة إلى قرينة قاطعة على استخدام مادة كيميائية. العين ترى السحابة؛ أما المختبر فيحدد
(٣)
وهنا يعود إلينا شبح مصنع الشفاء.
في عام 1998 قُصف مصنع الشفاء في الخرطوم بصواريخ أمريكية بعد أن بُني القرار على مجموعة من المعلومات والقرائن والاستنتاجات الاستخباراتية وهي مراقبة للمصنع، ومعلومات عن صلات مزعومة بأسامة بن لادن، وصلات بالسودان والعراق، وعينة تربة قالت الاستخبارات الأمريكية إنها احتوت على مادة EMPTA المرتبطة بإنتاج غاز الأعصاب VX. لم تكن المشكلة في جمع المعلومات، فذلك عمل أجهزة الاستخبارات الطبيعي، وإنما في أن تلك الخيوط دخلت مساراً انتهى بقرار عسكري قبل أن تُحسم بصورة مستقلة كل حلقات السلسلة التي بُني عليها القرار.
لكن الأهم من تفاصيل ذلك الملف هو الثمن الذي دفعه الإنسان السوداني.
لم يكن الشفاء مجرد مبنى وآلات، بل مصنعاً للأدوية في بلد كان يعيش تحت العقوبات والعزلة الاقتصادية، حيث كان الوصول إلى العلاج أكثر صعوبة وكلفة. وحين دُمّر المصنع، لم تُدمّر منشأة صناعية فحسب؛ ضاعت قدرة إنتاجية كان يمكن أن تخدم مرضى وأطفالاً ونساءً وأسرًا أنهكها المرض والفقر والحصار.

قد عُوَّض صاحب المصنع عن خسارته المادية، وقد يمكن تقدير ثمن الحديد والآلات والجدران بالمال؛ لكن من يعوض مريضاً لم يجد دواءه؟ ومن يعيد لطفل فرصة علاج فاتت؟ ومن يرد إلى أسرة عائلها الذي فقد حياته في انتظار دواء لم يصل؟
هنا يتحول الخطأ في التقدير من ورقة داخل ملف إلى مأساة في حياة البشر. فالقرار يمكن مراجعته ما دام على الورق؛ أما حين يتحول إلى صاروخ، فإن ثمنه قد يصبح حياة إنسان لا يعرف شيئاً عن الاستخبارات ولا السياسة.
وليس استحضار الشفاء اليوم حكماً مسبقاً على ملف الكلور، ولا اتهاماً بأن التاريخ يعيد نفسه؛ إنما هو تذكير بأن كل رواية تقترب من قرار لا رجعة فيه تستوجب تدقيقاً أكبر، لا أقل.
(٤)
وإذا كانت أسلحة كيميائية قد استُخدمت في السودان، فليحسم الأمر لجنة تحقيق مستقل، تُعاين المواقع، وتُفحص العينات، وتُختبر الوثائق والتسجيلات، وتُقارن الشهادات بالوقائع المادية والزمنية والجغرافية. فإذا ثبتت الجريمة، وجب أن تُحاسب الجهة المسؤولة بلا تردد؛ وإذا لم يكتمل الإثبات، فلا يجوز أن يتحول الاشتباه إلى إدانة، أو الرواية إلى حقيقة نهائية.

فالمعيار في مثل هذه القضايا ليس قوة الجهة التي تقدم الاتهام، ولا شهرة الوسيلة التي تنشره، وإنما سلامة الطريق والدوافع التي تقود من الواقعة إلى إثباتها. وهذا هو الفارق بين التحقيق الذي يبحث عن الحقيقة، والقصص الخيالية التي تبحث عن من يصدقها.
والسودان، في ظل حربه واقتصاده المأزوم ، ليس بحاجة إلى روايات جديدة يدفع المواطن ثمنها. فآثار القرارات المبنية على تقديرات غير مكتملة لا تتوقف عند أصحابها؛ قد تمتد إلى الأسواق والمستشفيات والدواء وفرص العمل وحياة ومعاش الناس.

لذلك فإن الدفاع عن العدالة لا يعني تبرئة أحد، كما أن مكافحة الإفلات من العقاب لا تعني تصديق كل اتهام.
العدالة لا تختار معيارها بحسب هوية المتهم؛ تضع الجميع أمام المعيار نفسه.
فالصحافة قد تفتح الملف، والاستخبارات قد تقدم خيطاً فيه مصالح ودماء، والسياسة تستطيع أن تطالب بالتحقيق بالشواهد العقلية والمنطقية وليس بالأمنيات ؛ أما الحكم، فلا يصنعه إلا ما يثبت أمام تحقيق مستقل.
وفي قضية بهذه الخطورة، لا ينبغي أن يكون سؤالنا: من قال؟ ولا من نشر؟ ولا من صدّق؟
بل السؤال الذي يحمي السودان من الجريمة ومن الظلم معاً:
ماذا أثبت التحقيق؟؟ :

Exit mobile version