أزمة اقتصادية أم أزمة إدارة الدولة؟ عواقب الغفلة عن هموم الناس
Mazin
د خالد التجاني يكتب :
نصف رأي: خالد التيجاني النور جريدة إيلاف
1 هل نحن أمام مجرد أزمة اقتصادية؟ تشكّل لها كلما ازداد تفاقم الأوضاع المعيشية لجنة وراء لجنة عسى ولعل تجد حلولاً لها ثم سرعان ما يتبين أنه جري وراء سرب بقيعة، وبدلاً من أن تواجه السلطة الحاكمة الأسباب الحقيقة وراء تسارع وتيرة التدهور الاقتصادي، تلجاً للحيلة العاجزة ذاتها بتكوين لجنة أخرى بمسمى جديد من الأشخاص أنفسهم وكأنها تتوقع حلاً سحرياً، ولو كانت ذا نفع لما تكرر السيناريو ذاته مرات خلال عام واحد. 2 وقد بذلت غاية جهدي لأحصي عدد اللجان التي شكلها السيد رئيس الوزراء خلال عام من عمر حكومته، لا سيما تلك اللجان المعنية بشأن “معالجة الأزمات الاقتصادية” التي باتت في حكم المستدامة، فضلا عن اللجان الفرعية المنبثقة عنها. وأقر بفشلي الذريع في الإحاطة بعدد ومهام تلك اللجان، وعجزت عن حصرها مع اجتهادي الشديد، وقد اختلط حابلها بنابلها، وتشابهت مسمياتها ومشاغلها. 3 وحتى لا يدخل القارئ الكريم في مثل متاهتي، سوف أركز على ثلاث لجان تحديداً، أولها اللجنة الاقتصادية التي تشكلت برئاسة السيد رئيس الوزراء في أول عهده، وضمت وزراء القطاع الاقتصادي كافة ومحافظ البنك المركزي آنذاك، ثم ما لبث أن خمل ذكرها وضاع أثرها قبل أن يعرف الناس حصادها. ومع تحرك سعر الصرف مطلع هذا العام، جرى بنهاية الربع الأول للسنة المالية تشكيل أطلق عليها “اللجنة الاقتصادية العليا” برئاسة السيد رئيس مجلس الوزراء صحبة وزراء القطاع الاقتصادي وكان شاغلها محاصرة تراجع سعر صرف الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية. وانعقدت اجتماعات لجانها، وأصدرت العديد من البيانات الصحافية، والتصريحات التي تؤكد ان الأمور مطمئنة وتحت السيطرة. 4 ولما تكد تمر بضعة أشهر حتى أطلت مطلع أغسطس لجنة أخرى باسم “اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد” برئاسة السيد رئيس الوزراء وعضوية طاقم الحكومة الاقتصادي نفسه، والجديد هذه المرة أن اللجنة ألزمت نفسها بتولي مهمة “إدارة” الاقتصاد، وهو ما يتجاوز بالضرورة مجرد الإشراف والتنسيق والمتابعة، ولذلك أكثر من مغزى ليس أقلها أنه لم يعد أمام حكومة إدريس من سبيل آخر حال تعثرها، مع ملاحظة أن المحرّك في تشكيل كل هذه اللجان كانت ردة ضغوط لتسارع تدهور سعر صرف الجنيه السوداني مقابل سلة العملات الأجنبية، والواقع أن قيمة العملة الوطنية شهدت أسوأ تدهور لها بعد تشكيلها، ليبقى السؤال لماذا؟ 5 السبب أن التشخيص الخاطئ للمشكلة يقود بالضرورة إلى استنتاجات خاطئة تزيد من تفاقم الأزمة بدلاً من تسهم في حلها، والدليل أن حزمة الإجراءات القاصرة التي ظلت تطارد بها الحكومة خيط دخان سعر الصرف، لجنة بعد أخرى، أثبتت عدم نجاعتها على أرض الواقع، ومن عدم الحكمة تكرار الوصفة ذاتها وتوقع نتائج مختلفة. وأول ذلك أن المشكلة ليست في سعر الصرف في حد ذاته، فهو نتيجة وليس سبباً، وهو مؤشر جهير على اعتلال صحة أداء الاقتصاد الكلي، صحيح أن سعر الصرف من بين مؤشراته الأساسية، ولكنه لا يعمل بمعزل من مؤشرات الاقتصاد الكلي الأخرى وعلى رأسها التضخم، ميزان المدفوعات، عجز الموازنة، ومعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي.. إلخ. ويتخذ سعر الصرف جرساً أعلى صوتاً من بين مؤشرات الاقتصاد الكلي الأخرى في التنبيه لتدهور حالة الاقتصاد الوطني لتأثيره المباشر في حياة المواطنين اليومية بما يصحبه من انعكاس مباشر على القيمة الشرائية للعملة الوطنية وما يتبعه من ضغوط غير محتملة على معيشة المواطنين ذوي الدخل المحدود، وهم سواد أهل البلاد. 6 ولكن هل تغيب عن صناع القرار الاقتصادي هذه البديهيات المعلومة بالضرورة؟، وهل تنقصهم المعرفة المتخصصة؟، بالطبع لا، فمن المؤكد أنهم يعرفون جذور المشكلة، ويدركون أسبابها الحقيقية والتشخيص الصحيح لطبيعتها، وأكثر من ذلك يعرفون جيداً العلاج الناجع، وما يجب القيام به لتحقيق الإصلاح الاقتصادي المرجو به تحسين مستوى حياة كريمة للمواطنين، أو على الأقل تخفيف أعباء حدة الفقر المدقع الذي أقرت دراسة حكومية حديثة نسبته المرتفعة التي تفوق 80% من السكان. إذاً لماذا لا يفعلون ما يفرضه عليهم واجب المسؤولية التي يتقلدون، ولماذا لا يؤدون استحقاقات الوظيفة العامة ويأخذونها بحق الأمانة التي يحملون؟ هذا ما يجب أن يجيبوا عليه بأنفسهم. 7 في الواقع فإن سعر الصرف ليس هو وحده مجرد عرض، بل الأزمة الاقتصادية المستدامة برمتها هي الأخرى نتيجة لأزمة تتعلق بنهج إدارة الدولة المستفحلة، وهي على أي حال ليست وليدة الوضع الراهن فحسب، بل نتاج تراكم سوء إدارة الحكم موروث على مدار حقب أنظمة حكم متعاقبة، ولا دليل أكثر من أن بلداً مثل السودان بكل موارده المتعددة المصادر ظل عاجزاً عن تحقيق نهوض اقتصادي وتنمية مستدامة على مدار عقود، ولسنا هنا في معرض الخوض في ذلك، ولكن عندما تواجه الدولة تحدياً وجودياً غير مسبوق فمن غير المقبول على الإطلاق أن يكون هناك أي مبرر لا تكون الإدارة الحكومية في مستوى هذا التحدي، وأن تكون أكثر يقظة في أخذ المسؤولية العامة بحقها، وليس هناك أي مجال لأن يساء إدارة الحكم وإفساد نظامه الذي يشكل تهديداً أكثر خطراً على البلاد من أعدائها. 8 وحتى لا نكون كمن يلقي القول على عواهنه، نورد دليلاً لمفارقة السلطات الحاكمة السيادية والتنفيذية والتشريعية لما خطته بنفسها في وثائقها المكتوبة، ذلك من المفترض أنها تؤدي واجبها وفق الاستحقاقات الدستورية والقانونية التي أتت بها. وهناك العديد من الأمثلة على عدم التزامها جميعاً بذلك. وحتى لا نبعد النجعة عن أسباب استدامة الأزمة الاقتصادية الراهنة التي هي في واقع الأمر صناعة حكومية بامتياز، ومن ذلك أن حكومة السيد إدريس ليس لديها “خطة اقتصادية محكمة” معلومة المرتكزات ومفصلة البرامج والجداول الزمنية للتنفيذ فضلاً عن آليات للمتابعة والتقييم والمساءلة. 9 ففي تصريح للسيدة وزيرة شؤون مجلس الوزراء السابقة في 6 مارس الماضي عن إجازة المجلس “خطة حكومة الأمل للعام 2026″، ذكرت حسب وكالة الانباء الرسمية “أن هذه الخطة تكتسب أهمية استراتيجية بصفتها عام الأساس للمنظومة الخمسية حتى 2030″، وأضافت أن المجلس “وجه بضرورة صياغة المشروعات والأنشطة الوزارية بصورة واقعية وقابلة للتنفيذ”. وهذا كلام جيد لا غبار عليه من حيث العموم، ولكنها عناوين وتوجيهات معممة، بدليل الطلب من الوزارات أن تعد خططها وبرامجها “بصورة واقعية وقابلة للتنفيذ”، ما حدث فعلاً تواتر التصريحات لمسؤولين حكوميين، لا سيما في القطاع الاقتصادي عن خطط “استراتيجية” لوزاراتهم. وهو ترف ليس هذا وقته إذ لا تتوفر له مرتكزات موضوعية في ظل حرب لا تزال دائرة، وحالة سيولة سياسية، وعدم استقرار وكلها عوامل لازمة لوضع أي استراتيجية ولو قصيرة المدى، والمطلوب خطط وبرامج إسعافية لا أكثر، والدولة لا تزال تخوض معركة وجودية، والهدف المنشود هو استعادة تأسيس مؤسساتها، وإحسان إدارة الأولويات الملحة، وليس القفز على استحقاقات المرحلة الموضوعية بوعود برّاقة لا سبيل لتحقيقها. 10 كان من المقرر عقد “الملتقى الاستراتيجي لحكومة الأمل” منتصف يونيو الماضي، ولكن جرى تعليقه بعد أن تمت الدعوة له لأن “العديد من الوزارات لم تكن جاهزة بخططها وبرامجها” حسب تصريح من مسؤول استفسرته “إيلاف” في حينه، ولم يعقد حتى اليوم. ومما يؤكد اضطراب الأداء الحكومي لعدم وجود برنامج اقتصادي مدروس، أو عدم نجاعته إن سلمنا جدلاً بوجوده، هذا التدهور المتسارع في مؤشرات أداء الاقتصاد الكلي الذي تجسّد جلياً في فقدان العملة الوطنية لأكثر من 100% من قيمتها خلال أشهر معدودة. 11 وكما أوردنا آنفاً فإن الحكومة بدلاً من أن تعكف على مواجهة هذا الفشل في إدارة الاقتصاد بتشخيص صحيح لأسبابه، عمدت إلى الهروب إلى الأمام بحثاً عن حلول سهلة بشكيل لجان لم تنجح أياً منها في إحداث اختراق في جدار الأزمة، كشأن الذهنية الحكومية نفسها فيما سبقها من أنظمة. واللجوء إلى هذه الحيلة يكشف بوضوح أن الحكومة تقر في الواقع بفشل طاقمها الاقتصادي في القيام بواجبه، وبدلاً من المساءلة عن هذا العجز تعمل على تغطيته بتشكيل لجان أخرى بعضوية هذا الطاقم نفسه، مع الإشارة إلى أنه لا معنى أصلاً لهذا اللجان لأن مجلس الوزراء لديه سلفاً لجاناً متخصصة من بينها لجنة التنمية الاقتصادية التي تضم في عضويتها المسؤولين عن الملفات الاقتصادية، فما الذي يمكن أن ينجزوه بمجرد تغيير اللافتة بمسمى آخر؟! 12 وأحد أسباب اختلال الأداء الاقتصادي افتقار الحكومة لجهاز حكومي فاعل معني بالتخطيط الاقتصادي، الفريضة الغائبة في الجهاز التنفيذي، فقد تم حل وكالة التخطيط بوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي في مارس الماضي، ليس لسبب موضوعي سوى الصراع الداخلي على النفوذ بين مكونات السلطة، والخبر ليس هنا، بل إن الأمانة العامة لمجلس التخطيط الاستراتيجي، التي تشرف عليها الأمانة العامة لمجلس الوزراء، التي نقلت إليها مهام وكالة التخطيط لم تُعلم بالقرار أصلاً، وبالتالي جرت تصفية الوكالة ولم يعد لديها وجود، لا في وزارة المالية، ولا مجلس التخطيط الاستراتيجي. 13 وعلى ذكر التخطيط الاستراتيجي، المفترى عليه، الذي يتحدث الجميع برسمه شكلاً بلا مضمون، يكشف جانباً آخر من الفوضى الضاربة بأطنابها في دوائر السلطة الحاكمة، واستهانتها ب “الوثيقة الدستورية المعدلة لسنة 2025” التي يُفترض أنها مانحة شرعية مؤسسات الحكم الانتقالية الحالية. تنص المادة 79 على إنشاء المجلس القومي للتخطيط والتعاون الدولي ليعمل تحت إشراف المجلس السيادي الذي تقاعس عن تأسيسه، وتجاهل مجلس الوزراء النص الدستوري الصريح، وقد أصبح في حكم المعدوم، ليصدر قرار المجلس رقم 170 لسنة 2025 المحدّد لأهداف واختصاصات وسلطات ووحدات الجهاز التنفيذي الانتقالي، ليبقي على “المجلس القومي للتخطيط الاستراتيجي والاقتصادي” الموروث من عهد الإنقاذ، تحت إشراف رئيس الوزراء. 14 فكيف يُخرق نص دستوري بهذه البساطة من قبل الجهاز التنفيذي، والأعجب لا مجلس السيادة احتج على التغول على اختصاصه كأن شيئا لم يكن، ولا أفلح مجلس الوزراء في تفعيل هذه المؤسسة المهمة التي لا يكاد كثير من الناس يعرفون إن كانت موجودة أصلاً. وزاد الأمر ضغثاً على إبالة أن القرار 170 نجح في أمر واحد هو “تشليع” وزارة المالية فانتزع منها التعاون الدولي ليلحقه بوزارة الخارجية والتعاون الدولي، ليصبح في حالة موت سريري مجرد لافتة ليس هناك ما يشير إلى أن الوزارة الدبلوماسية تعره أي اهتمام، والحال كذلك ما آل إليه شأن وكالة التخطيط الاقتصادي. 15 لنقف هنا، ونواصل بإذن الله، وهذا غيض من فيض، ويبقى السؤال كيف يمكن أن يُدار شأن البلد العام في ظل هذه الفوضى العارمة، والافتقار للرؤى، والمؤسسية، وغياب التخطيط، وتواضع الأداء، وانعدام المحاسبة والمساءلة ثم تتوقع السلطات الحاكمة غير هذه النتيجة الكاشفة لبضع أسباب تدهور الأداء الاقتصادي المتسارع الذي أحال حياة المواطنين إلى معاناة وشظف عيش وفقدان أمل في الإصلاح.