فالنقاش الذي دار في واشنطن، كما عكسته تقارير إعلامية أمريكية، انطلق من فرضية مفادها أن التباينات السعودية الإماراتية في ملفات مثل اليمن والسودان قد تعكس «تحولًا» في الموقف السعودي، أو مراجعة في مقاربة المملكة تجاه تيارات الإسلام السياسي، وهي فرضية حرص الوزير السعودي على تفكيكها بوضوح، مؤكدًا أن المملكة ضد جماعة الإخوان الإرهابية، وأن سياساتها لا تُقرأ من زاوية أيديولوجية ضيقة، بل من منظور إدارة واقعية لملفات شديدة التعقيد، تتداخل فيها اعتبارات الأمن، ووحدة الدولة، واستقرار الإقليم.

وهنا تبرز نقطة جوهرية كثيرًا ما يجري تجاهلها، وهي الخلط المتعمد أو غير المتعمد بين رفض تفكيك الدول، والتساهل مع الجماعات العابرة للحدود، فخطر جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية خطر حقيقي، لا جدال فيه، وهو خطر مركب لا يقتصر على البعد الأمني، بل يمتد إلى بنية أيديولوجية وتنظيمية قادرة على الاختراق والتغلغل وبناء شبكات نفوذ تتجاوز منطق الدولة الوطنية، وقد كانت المملكة العربية السعودية أولى الدول التي واجهت هذا الخطر بوضوح، فكريًا وسياسيًا وأمنيًا، كفعل استباقي وليس مجرد ردة فعل، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الإسلام السياسي، بصيغه المختلفة، يمثل تهديدًا مباشرًا للاستقرار ولمفهوم الدولة الوطنية، واللُحمة المجتمعية.

غير أن الإشكال الحقيقي لا يبدأ عند توصيف الإخوان كخطر، بل عند تحويل هذا التوصيف إلى أداة سياسية مفتوحة، أو إلى شماعة تُعلّق عليها تدخلات إقليمية وسياسات تفكيك الدولة، أو دعم انقسامات داخلية تحت عنوان «مكافحة الإسلام السياسي»، هنا يتحول الهدف المشروع إلى غطاء سياسي، وتصبح مواجهة التنظيم ذريعة لإعادة إنتاج الفوضى، لا لحماية الاستقرار.

في اليمن، على سبيل المثال، لم تكن المعضلة الجوهرية وجود مكوّن سياسي بعينه، بقدر ما كانت خطر انهيار الدولة نفسها، فالتعامل مع المشهد اليمني بمنطق تصفية الحسابات الأيديولوجية أسهم في إضعاف معسكر الشرعية، وتفكيك بنيته، وخلق مراكز قوة متنازعة، بعضها لا يخضع لأي إطار وطني جامع، بينما انطلق الموقف السعودي من أولوية مختلفة وواضحة، هي الحفاظ على وحدة اليمن، ودعم مؤسساته الشرعية، ومنع تحوله إلى ساحة صراع فصائلي مفتوح، تُستبدل فيه الدولة بقوى أمر واقع متنافسة.

وفي السودان، تتكرر الإشكالية ذاتها بصيغة أخرى، فالصراع هناك لم يكن، في جوهره، بين «إخوان» و«غير إخوان»، بل بين دولة تحاول الحفاظ على تماسكها، وقوى مسلحة تسعى إلى فرض وقائع سياسية بالقوة، وقد أظهرت النقاشات التي دارت في واشنطن، بحسب ما نُقل عن مصادر في الكونغرس، أن الربط بين الجيش السوداني وجماعة الإخوان هو ربط مبالغ فيه، وأن الدعم السعودي للمؤسسة العسكرية يأتي في إطار قرار تكتيكي يهدف إلى منع انهيار الدولة، لا إلى الاصطفاف الأيديولوجي، مع مساعٍ متوازية لإبعاد أي عناصر متطرفة من مختلف المعسكرات.

أما في ليبيا، فقد كان المثال أكثر وضوحًا، إذ تحولت «مكافحة الإسلام السياسي» إلى عنوان عريض لتبرير تدخلات متشابكة، ودعم أطراف عسكرية متنافسة، على حساب أي مسار سياسي جامع، وكانت النتيجة دولة منقسمة، ومؤسسات منهارة، وفراغًا إستراتيجيًا استغلته قوى إقليمية ودولية، دون أن يؤدي ذلك إلى تحجيم الإسلام السياسي أو بناء استقرار مستدام.

من هنا، يصبح الخلاف القائم مع الإمارات خلافًا في المقاربة، لا في تشخيص الخطر، فالسعودية لا تقلل من تهديد الإخوان، ولا تتهاون معه، لكنها ترفض أن تتحول مواجهتهم إلى أداة لهدم الدول، أو ذريعة لإدامة الصراعات، أو وسيلة لإنتاج كيانات ما دون الدولة، وهي الظاهرة التي حذرت منها المملكة مرارًا في أكثر من ساحة عربية.

وفي هذا السياق، فإن الرسالة التي حملها وزير الخارجية السعودي إلى واشنطن تكتسب دلالة أوسع، إذ أكدت أن المملكة لا تتعامل مع ملفات اليمن والسودان وغيرها من منطلقات أيديولوجية، بل من زاوية حماية الدولة الوطنية، وتقوية مؤسساتها الشرعية، وتجفيف منابع الفوضى، أيًّا كان الغطاء المستخدم، وهي رسالة لا تعكس تبدلًا في المواقف، بقدر ما تعكس ثباتًا في المبادئ، ووضوحًا في الرؤية.

ليس كل من حذّر من تحويل الإخوان إلى شماعة متساهلًا معهم، وليس كل من رفع شعار «مكافحة الإسلام السياسي» حاميًا للدولة الوطنية، فالفارق بين الموقفين دقيق، لكنه جوهري. والسعودية ــ في هذا الملف ــ تتحرك وفق معادلة واضحة: مواجهة التطرف وتجفيف منابعه، دون تفكيك الدول، ومكافحة جماعة الإخوان الإرهابية، دون صناعة فوضى جديدة باسمهم، وهي مقاربة قد لا تكون الأكثر صخبًا، لكنها الأكثر اتساقًا مع منطق الاستقرار، والأقرب إلى فهم تعقيدات الإقليم.