بقلم: مبارك الفاضل المهدي
سبق أن توصلت القوى السياسية السودانية، في مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية عام 1995، إلى صيغة توافقية لمعالجة قضية العلاقة بين الدين والدولة والسياسة، بعد حوار واسع شاركت فيه مختلف القوى السياسية السودانية. وقد قامت تلك الصيغة على مبدأ الدولة المدنية الديمقراطية القائمة على المواطنة المتساوية، وعلى تضمين المواثيق الدولية لحقوق الإنسان في الدستور باعتبارها الضمانة الأساسية لحقوق وحريات جميع المواطنين دون تمييز.
وقد شكل هذا التوافق لاحقاً أحد المرتكزات الفكرية والسياسية لاتفاقية السلام الشامل ودستور السودان الانتقالي لعام 2005، ولذلك يثير الاستغراب أن يعود الجدل اليوم حول قضايا سبق أن حسمها الحوار السوداني بالتوافق الوطني.
أثار الشعار الذي رفعه بعض المشاركين في اجتماع نيروبي الأخير حول «فصل الدين عن الدولة» تساؤلات جوهرية تتعلق بطبيعة العمل الديمقراطي وآليات حسم القضايا الخلافية في السودان.
فالذين طرحوا هذا الشعار يفترض أنهم ينتمون إلى قوى تؤمن بالديمقراطية وبالوصول إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع. وإذا كان الأمر كذلك، فإن المكان الطبيعي لطرح مثل هذه الشعارات هو البرامج الانتخابية التي تُعرض على الشعب السوداني ليقرر بشأنها عبر الانتخابات الحرة. فإذا منح الشعب تفويضه لقوة سياسية تتبنى هذا البرنامج، فإن من حقها أن تسعى لتنفيذه عبر المؤسسات الدستورية المنتخبة.
أما محاولة فرض مثل هذه القضايا الفكرية والسياسية الكبرى من خلال التكتلات السياسية أو الاتفاقات بين مجموعات محدودة، فإنها تتناقض مع جوهر الممارسة الديمقراطية نفسها، التي تقوم على الاحتكام إلى إرادة الشعب. وقد عبّر الإمام الصادق المهدي، رحمه الله، عن هذا المعنى بوضوح عندما رد على دعوات مماثلة للأستاذ عبد العزيز الحلو، مؤكداً أن مثل هذه القضايا لا تُفرض بواسطة أي طرف سياسي، وإنما يقررها الشعب السوداني عبر الوسائل الديمقراطية وصناديق الاقتراع.
ومن الناحية المفاهيمية، فإن شعار «فصل الدين عن الدولة» يفتقر إلى الدقة. فالدولة مسؤولة عن تنظيم ممارسة الشعائر الدينية وحماية حرية المعتقد وتنظيم دور العبادة، ولذلك فإن الحديث الأدق ليس عن فصل الدين عن الدولة، وإنما عن منع استغلال الدين في العمل السياسي والحزبي.
إن المشكلة التي واجهها السودان لم تكن في الدين نفسه، وإنما في استغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية وسلطوية. وقد مثلت تجربة الإنقاذ المثال الأبرز على ذلك، حين استخدمت الشعارات الدينية لتبرير الحرب والانقسام والاستبداد، بينما ابتعدت الممارسة العملية عن القيم التي رُفعت باسم الدين.
والحقيقة أن هذه القضية ليست جديدة. ففي اجتماعات نيروبي عام 1993، التي ضمت الحركة الشعبية والقوى السياسية السودانية الرئيسية، تم التوصل إلى تفاهمات مهمة حول العلاقة بين الدين والسياسة. وقد جاء ذلك عبر تفاهمات بين قيادة حزب الأمة ممثلة في الدكتور عمر نور الدائم وشخصي، وبين الدكتور جون قرنق والأستاذ بونا ملوال، رحمهم الله جميعاً.
وكان الهدف تجاوز الاستقطاب بين دعاة الدولة الإسلامية ودعاة الدولة العلمانية، والانتقال مباشرة إلى جوهر القضية، وهو توفير الضمانات الدستورية والقانونية الكاملة لحقوق غير المسلمين، وحماية حقوق المسلمين الذين يرفضون استغلال الدين في السياسة.
وشارك في تلك الاجتماعات ممثلو الحزب الاتحادي الديمقراطي، والأستاذ فاروق أبو عيسى، وممثلو الحزب الشيوعي السوداني التجاني الطيب والشفيع خضر، إلى جانب قيادة حزب الأمة والحركة الشعبية بقيادة الدكتور جون قرنق الذي ترأس الاجتماع في نيروبي.
وخلص الاجتماع إلى صيغة توافقية تقوم على أن تضمين المواثيق الدولية لحقوق الإنسان في الدستور السوداني يوفر الضمانات المطلوبة لجميع المواطنين دون تمييز، ويؤسس لدولة مدنية ديمقراطية تحترم التعدد الديني والثقافي وتحمي الحقوق والحريات الأساسية.
ولعل من اللافت أن بعض الذين كانوا قريبين من تلك التفاهمات التاريخية يعيدون اليوم طرح شعارات تجاوزها الحوار السوداني منذ عقود. فالأخ ياسر عرمان، الذي كان عضواً في الحركة الشعبية آنذاك، كان حاضراً على هامش اجتماعات نيروبي عام 1993، وأذكر أنه جاء إليّ عقب التوصل إلى الاتفاق معبّراً عن تقديره للجهد الذي بُذل للوصول إلى تلك الصيغة التوافقية التي أنهت حالة الاستقطاب الحاد بين دعاة الدولة الدينية ودعاة الدولة العلمانية، وانتقلت مباشرة إلى جوهر القضية المتمثل في حماية الحقوق والحريات لجميع المواطنين.
ثم جرى تعزيز هذا الاتفاق في مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية في يونيو 1995، حيث وقع عليه الدكتور جون قرنق، ومولانا محمد عثمان الميرغني، والدكتور عمر نور الدائم، ومبارك المهدي، وممثلو الحزب الشيوعي السوداني، إضافة إلى بونا ملوال والبابا جيمس سرور وعدد من القيادات الوطنية والجنوبية البارزة.
وقد أصبح ذلك القرار لاحقاً أحد الأسس الفكرية والسياسية لاتفاقية السلام الشامل، كما تم تضمين جوهره في دستور السودان الانتقالي لعام 2005. وقامت الفكرة على أن المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الدستور، هي الضمانة الأساسية لحقوق المسلمين وغير المسلمين، ولحماية المجتمع من استغلال الدين في العمل السياسي، ولإقامة دولة مدنية ديمقراطية تحترم التعدد الديني والثقافي.
ومن هنا فإن من اللافت أن بعض الذين كانوا جزءاً من هذه المسيرة التاريخية يتنكرون اليوم لما تم الاتفاق عليه، ويعيدون طرح شعارات تجاوزها الحوار السوداني منذ أكثر من ثلاثة عقود. والأكثر غرابة أن الدكتور جون قرنق نفسه، الذي كان راعي تلك التفاهمات وأول الموقعين عليها، هو القائد الذي تدرجت تحت قيادته الحركة الشعبية، بما في ذلك الأخ عبد العزيز الحلو. وقد أرسلت للأخ عبد العزيز الحلو نسخة من الوثائق التي تحمل توقيع الدكتور جون قرنق على تلك الاتفاقات التاريخية تأكيداً لما جرى التوافق عليه آنذاك.
إن القضية ليست دفاعاً عن تجربة الإنقاذ أو تبريراً لها، فهذه التجربة أثبتت فشلها. وقد اعترف الدكتور حسن الترابي نفسه بأن الذين رفعوا الشعارات الدينية عندما وصلوا إلى السلطة انشغلوا بالسلطة ومغانمها أكثر من انشغالهم بالقيم التي كانوا يرفعونها.
لذلك فإن العودة اليوم إلى شعارات مثل «فصل الدين عن الدولة» لا تقدم حلاً لمشكلات السودان، بل تعيد إنتاج استقطابات قديمة تم تجاوزها بالتوافق الوطني. ولهذا ظللنا ندعو إلى العودة إلى دستور عام 2005 بعد حذف التعديلات التي أدخلها عليه نظام الإنقاذ، لأنه يمثل ثمرة توافق وطني واسع، ويوفر أساساً دستورياً مناسباً لبناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة والحقوق والحريات وسيادة حكم القانون.
إن الطريق الصحيح ليس إعادة إنتاج الاستقطاب القديم بين الدولة الدينية والدولة العلمانية، وإنما البناء على ما تحقق من توافقات وطنية، وترسيخ دولة تحمي الحقوق والحريات وتمنع استغلال الدين في العمل السياسي، وتستوعب جميع أبنائها على أساس المساواة والمواطنة والعدالة وسيادة حكم القانون